ما بالهم ينتكسون ….؟

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد أقلقني كثيرا ما يشاهد في وقعنا من كثرة المنتكسين عن الحق فعزمت على جمع ما أجد في كتب أهل العلم من أسباب لهذه الكارثة فبقيت سنوات وأنا اجمع ما أجد وما يمر بي أثناء المطالعة والبحث في أوقات متواصلة ومتفرقة,فتحل لي هذا الجهد الذي لا يزال بحاجة زيادة وبيان…
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه :حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ – يَعْنِى سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ – عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ عَنْ رِبْعِىٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَذْكُرُ الْفِتَنَ فَقَالَ قَوْمٌ نَحْنُ سَمِعْنَاهُ. فَقَالَ لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ في أَهْلِهِ وَجَارِهِ قَالُوا أَجَلْ. قَالَ تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النبي -صلى الله عليه وسلم- يَذْكُرُ الْفِتَنَ التي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ قَالَ حُذَيْفَةُ فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ فَقُلْتُ أَنَا. قَالَ أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوكَ. قَالَ حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ : تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فأي قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وأي قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ . قَالَ حُذَيْفَةُ وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ. قَالَ عُمَرُ أَكَسْرًا لاَ أَبَا لَكَ فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ. قُلْتُ لاَ بَلْ يُكْسَرُ. وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ أَوْ يَمُوتُ. حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ. قَالَ أَبُو خَالِدٍ فَقُلْتُ لِسَعْدٍ يَا أَبَا مَالِكٍ مَا أَسْوَدُ مُرْبَادًّا قَالَ شِدَّةُ الْبَيَاضِ في سَوَادٍ. قَالَ قُلْتُ فَمَا الْكُوزُ مُجَخِّيًا قَالَ مَنْكُوسًا).
إن من الفتن العظيمة والسنن الربانية انتكاس بعض المسلمين عن الهدى والدين من بعد لزومه.وأخص بالذكر من كان له في الدعوة يدا وأثرا .وليس الأمر بردتهم عن الحق ونكوصهم بل أخطر منه أنهم أصبحوا معاول إفساد وإظلال بلا حياء من الخلق ولا مراقبة وخوف من الخالق.
وليس الأمر بغريب فقد دلت النصوص الشرعية, والحوادث الواقعية عبر الأزمان.على وجود الردة والإنتكاس فما بالك بهذه الأعصر التي كثرت فيها الشبهات والشهوات الصارفة ,وكثر فيها من وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا…وقال: هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا) متفق عليه. ولقد قص الله علينا في سورة الأعراف من كتابة العظيم خبر ذلكم الرجل المنتكس في قوله تعالى:(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)
قال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين: وفي تشبيه من آثر الدنيا وعاجلها على الله والدار الآخرة مع وفور علمه بالكلب في حال لهثه سر بديع وهو أن الذي حاله ما ذكره الله من انسلاخه من آياته واتباعه هواه إنما كان لشدة لهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة فهو شديد اللهف عليها ولهفه نظير لهف الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه واللهف واللهث شقيقان وأخوان في اللفظ والمعنى قال ابن جريج الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث فهو مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له إنما فؤاده منقطع قلت مراده بانقطاع فؤاده أنه ليس له فؤاد يحمله على الصبر وترك اللهث وهكذا الذي انسلخ من آيات الله لم يبق معه فؤاد يحمله على الصبر عن الدنيا وترك اللهف عليها فهذا يلهف على الدنيا من قلة صبره عنها وهذا يلهث من قلة صبره عن الماء فالكلب من أقل الحيوانات صبرا عن الماء وإذا عطش أكل الثرى من العطش وإن كان فيه صبر على الجوع .أ.هـ
وقال السعدي رحمه الله في تفسيره: يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا } أي: علمناه كتاب اللّه، فصار العالم الكبير والحبر النحرير. { فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ } أي: انسلخ من الاتصاف الحقيقي بالعلم بآيات اللّه، فإن العلم بذلك، يصير صاحبه متصفا بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويرقى إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات، فترك هذا كتاب اللّه وراء ظهره، ونبذ الأخلاق التي يأمر بها الكتاب، وخلعها كما يخلع اللباس. فلما انسلخ منها أتبعه الشيطان، أي: تسلط عليه حين خرج من الحصن الحصين، وصار إلى أسفل سافلين، فأزه إلى المعاصي أزا. { فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ } بعد أن كان من الراشدين المرشدين. وهذا لأن اللّه تعالى خذله ووكله إلى نفسه، فلهذا قال تعالى: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } بأن نوفقه للعمل بها، فيرتفع في الدنيا والآخرة، فيتحصن من أعدائه.{ وَلَكِنَّهُ } فعل ما يقتضي الخذلان، فَأَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ، أي: إلى الشهوات السفلية، والمقاصد الدنيوية. { وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } وترك طاعة مولاه، { فَمَثَلُهُ } في شدة حرصه على الدنيا وانقطاع قلبه إليها، { كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ } أي: لا يزال لاهثا في كل حال، وهذا لا يزال حريصا، حرصا قاطعا قلبه، لا يسد فاقته شيء من الدنيا. أ.هـ
قال ابن تيمية في الفتاوى:فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُؤْتَى إيمَانًا مَعَ نَقْصِ عِلْمِهِ . فَمِثْلُ هَذَا الْإِيمَانِ قَدْ يُرْفَعُ مِنْ صَدْرِهِ كَإِيمَانِ بَنِي إسْرَائِيلَ لَمَّا رَأَوْا الْعِجْلَ . وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ الْعِلْمَ مَعَ الْإِيمَانِ فَهَذَا لَا يُرْفَعُ مِنْ صَدْرِهِ . وَمِثْلُ هَذَا لَا يَرْتَدُّ عَنْ الْإِسْلَامِ قَطُّ بِخِلَافِ مُجَرَّدِ الْقُرْآنِ أَوْ مُجَرَّدِ الْإِيمَانِ فَإِنَّ هَذَا قَدْ يَرْتَفِعُ . فَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ . لَكِنْ أَكْثَرُ مَا نَجِدُ الرِّدَّةَ فِيمَنْ عِنْدَهُ قُرْآنٌ بِلَا عِلْمٍ وَإِيمَانٍ أَوْ مَنْ عِنْدَهُ إيمَانٌ بِلَا عِلْمٍ وَقُرْآنٍ . فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ الْقُرْآنَ وَالْإِيمَانَ فَحَصَلَ فِيهِ الْعِلْمُ فَهَذَا لَا يُرْفَعُ مِنْ صَدْرِهِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . أ.هـ
وقال تعالى في سورة التوبة الفاضحة: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ* وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ* الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) فهولاء كفروا بعد إيمان فلم يكن إلا لأن في قلوبهم مرض.
وفي الصحيحين قصة إهدار النبي صلى الله عليه وسلم لدم ابن خطل وكان قد أسلم قبل ذلك وولاه النبي صلى الله عليه وسلم بعض الولايات الشرعية ثم ارتد على عقبيه وكفر بالله العظيم وسب رسول الله صلى الله عليه وسلم.وكذا قصة عبيد الله بن جحش قال ابن هشام في السيرة: عَنْ عُرْوَةَ قَالَ خَرَجَ عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ جَحْشٍ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مُسْلِمًا ، فَلَمّا قَدِمَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ تَنَصّرَ قَالَ فَكَانَ إذَا مَرّ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ فَتّحْنَا وَصَأْصَأْتُمْ أَيْ قَدْ أَبْصَرْنَا وَأَنْتُمْ تَلْتَمِسُونَ الْبَصَرَ وَلَمْ تُبْصِرُوا بَعْدُ . وَذَلِكَ أَنّ وَلَدَ الْكَلْبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ عَيْنَيْهِ لِلنّظَرِ صَأْصَأَ قَبْلَ ذَلِكَ فَضَرَبَ ذَلِكَ لَهُ وَلَهُمْ مَثَلًا : أَيْ أَنّا قَدْ فَتّحْنَا أَعْيُنَنَا فَأَبْصَرْنَا ، وَلَمْ تَفْتَحُوا أَعْيُنَكُمْ فَتُبْصِرُوا ، وَأَنْتُمْ تَلْتَمِسُونَ ذَلِكَ . أ.هـ ولئن كنا لا نعلم الأسباب التي جعلت عبيد الله ومن كان على شاكلته يرتدون عن الإسلام لكن نؤمن بقول الله تعالى في سورة الصف: ( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) فهي شقوة أدركتهم، وهم يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير.فإن في المكتبات العامة والخاصة كتبا لمؤلف واحد بعضها يقطر توحيدا والمتأخر منها يقطر إلحادا وزندقة.فاللهم رحماك بنا.
ولقد جاء في صحيح الإمام مسلم أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: « بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِى كَافِرًا أَوْ يُمْسِى مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا)
وفي الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعٍ بِرِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَشَقِيٌّ ، أَوْ سَعِيدٌ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ ، أَوِ الرَّجُلَ – يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ بَاعٍ ، أَوْ ذِرَاعٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ ، أَوْ ذِرَاعَيْنِ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا قَالَ آدَمُ إِلاَّ ذِرَاعٌ.)
ولقد عبثت الأهواء بكثير من الناس حتى أودت بهم إلى الانحراف عن الحق. قال ابن تيميّة- رحمه اللّه في منهاج السنة : صاحب الهوى يعميه الهوى ويصمّه، فلا يستحضر ما للّه ورسوله في الأمر ولا يطلبه أصلا، ولا يرضى لرضا اللّه ورسوله، ولا يغضب لغضب اللّه ورسوله، بل يرضى إذا حصّل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصّل ما يغضب له بهواه، فليس قصده أن يكون الدّين كلّه للّه، وأن تكون كلمة اللّه هي العليا، بل قصده الحميّة لنفسه وطائفته أو الرّياء، ليعظّم هو ويثنى عليه، أو لغرض من الدّنيا فلم يكن للّه غضبه، ولم يكن مجاهدا في سبيل اللّه، بل إنّ أصحاب الهوى يغضبون على من خالفهم وإن كان مجتهدا معذورا لا يغضب اللّه عليه، ويرضون عمّن يوافقهم، وإن كان جاهلا سيّء القصد، ليس له علم ولا حسن قصد، فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده اللّه ورسوله، ويذمّوا من لم يذمّه اللّه ورسوله، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم لا على دين اللّه ورسوله أ.هـ
والله تعالى يقول في سورة القصص:(قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ *فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ويقول سبحانه:(بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ )
وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، يقول: «اللّهمّ إنّي أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء»)رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني وقال الأرنؤوط صحيح الإسناد. وعن أبي برزة الأسلميّ- رضي اللّه عنه- أنّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّ ممّا أخشى عليكم شهوات الغيّ في بطونكم وفروجكم ومضلّات الهوى)رواه الإمام احمد وغيره وقال شعيب الأرنؤوط : رجاله ثقات رجال الشيخين غير علي بن الحكم البناني فمن رجال البخاري وهو لم يسمع من أبي برزة ويحتمل أنه لم يدركه .
وقال عليّ- رضي اللّه عنه-: إنّ أخوف ما أتخوّف عليكم اثنتان: طول الأمل واتّباع الهوى. فأمّا طول الأمل فينسي الآخرة، وأمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ. ألا وإنّ الدّنيا قد ولّت مدبرة والآخرة مقبلة ولكلّ واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدّنيا، فإنّ اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل)شعب الإيمان للبيهقي
وقال في اقتضاء الصراط المستقيم : ..قد يبتلى به طوائف من المنتسبين إلى العلم فإنهم تارة يكتمون العلم بخلا به ، وكراهة لأن ينال غيرهم من الفضل ما نالوه ، وتارة اعتياضا عنه برئاسة أو مال ، فيخاف من إظهاره انتقاص رئاسته أو نقص ماله ، وتارة يكون قد خالف غيره في مسألة ، أو اعتزى إلى طائفة قد خولفت في مسألة ، فيكتم من العلم ما فيه حجة لمخالفه وإن لم يتيقن أن مخالفه مبطل .ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي وغيره : أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم.أ.هـ
وقال في معارج القبول: قَالَ تَعَالَى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) [الْفَرْقَانِ: 43] قَالَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: هُوَ الَّذِي لَا يَهْوَى شَيْئًا إِلَّا رَكِبَه ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ الَّذِي كُلَّمَا هَوَى شَيْئًا رَكِبَهَ, وَكُلَّمَا اشْتَهَى شَيْئًا أَتَاهُ لَا يَحْجِزُهُ عَنْ ذَلِكَ وَرَعٌ.أ.هـ
وقال الشاطبي في الاعتصام: وعن أبي العالية: تعلموا الإسلام فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام ولا تحرفوا يمينا ولا شمالا وعليكم بسنة نبيكم وما كان عليه أصحابه من قبل أن يقتلوا صاحبهم ومن قبل أن يفعلوا الذي فعلوا, قد قرأنا القرآن من قبل أن يقتلوا صاحبهم ومن قبل أن يفعلوا الذي فعلوا وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء, فحدث الحسن بذلك فقال رحمه الله صدق ونصح.أ.هـ
وليعلم أن الله تعالى لايظلم الناس شيئا كما قال سبحانه في سورة يونس )إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) وقال سبحانه (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)
وإن مما يجب أن يعلم أن ما يقع اليوم من تساقط بعض من كان محسوبا على العلم والدعوة وانتكاسه بعد هدى
أن لذلك أسبابا قد تجتمع وقد ينفرد بعضها قَالَ تعالى في سورة الأعراف: ( فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) قال ابن سعدي في تفسيره: لألزمن الصراط ولأسعى غاية جهدي على صد الناس عنه وعدم سلوكهم إياه.{ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ } أي: من جميع الجهات والجوانب، ومن كل طريق يتمكن فيه من إدراك بعض مقصوده فيهم. ولما علم الخبيث أنهم ضعفاء قد تغلب الغفلة على كثير منهم، وكان جازما ببذل مجهوده على إغوائهم، ظن وصدَّق ظنه فقال: { وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } فإن القيام بالشكر من سلوك الصراط المستقيم، وهو يريد صدهم عنه، وعدم قيامهم به، قال تعالى: { إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ }. وإنما نبهنا اللّه على ما قال وعزم على فعله، لنأخذ منه حذرنا ونستعد لعدونا، ونحترز منه بعلمنا، بالطريق التي يأتي منها، ومداخله التي ينفذ منها، فله تعالى علينا بذلك، أكمل نعمة.أ.هـ
قال ابن كثير في تفسيره:قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } أشككهم في آخرتهم، { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } أرغبهم في دنياهم { وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ } أشبَه عليهم أمر دينهم { وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ } أشهي لهم المعاصي. أ.هـ وقال الطبري رحمه الله في تفسيره: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: ثم لآتينهم من جميع وجوه الحقّ والباطل، فأصدّهم عن الحق، وأحسِّن لهم الباطل . أ.هـ قال ابن القيم رحمه الله في الجواب الكافي. على لسان إبليس: وَادْخُلُوا عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ، أَمَا سَمِعْتُمْ قَسَمِي الَّذِي أَقْسَمْتُ بِهِ لِرَبِّهِمْ حَيْثُ قُلْتُ : (فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) أَوَمَا تَرَوْنِي قَدْ قَعَدْتُ لِابْنِ آدَمَ بِطُرُقِهِ كُلِّهَا ، فَلَا يَفُوتُنِي مِنْ طَرِيقٍ إِلَّا قَعَدْتُ لَهُ بِطَرِيقٍ غَيْرِهِ ، حَتَّى أُصِيبَ مِنْهُ حَاجَتِي أَوْ بَعْضَهَا ؟.أ.هـ
ولذا قد يتورع طالب العلم أن يرمي القذاة العالقة بثوبه في المسجد ولا يتورع من الوقيعة في العلماء وطلبة العلم حسدا منه. واليكم طرفا من أسباب الانتكاسة والردة عن الحق عصمنا الله جميعا:-
أولا / التطلع لمناصب الدنيا ومراتبها.وهذا مذموم في الشرع إذا كان لذاته فكيف إذا كان على حساب الدين. فعَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ تستعملني قَالَ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى منكبي ثُمَّ قَالَ ( يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خزي وَنَدَامَةٌ إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الذي عَلَيْهِ فِيهَا ).رواه مسلم.وفي الصحيحين أنه قَالَ صلى الله عليه وسلم : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا..) قال في المفهم : قوله :لا تسل الإمارة : هو نهيٌ ، وظاهره التحريم ، وعلى هذا يدلّ قوله بعد هذا : ( إنَّا والله لا نولي على هذا العمل أحدًا يسأله أو حرص عليه) ؛ وسببه : أن سؤالها والحرص عليها ، مع العلم بكثرة آفاتها ، وصعوبة التخلص منها ؛ دليلٌ على أنه يطلبها لنفسه ، ولأغراضه . ومَنْ كان هكذا أوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك . وهذا معنى قوله :وكل إليها .أ.هـ قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي كما نقل عنه تلميذه الشيخ بكر أبو زيد في الحلية رحمهما الله :لقد جئت من البلاد – شنقيط – ومعي كنز قل أن يوجد عند أحد، وهو (القناعة)، ولو أردت المناصب، لعرفت الطريق إليها، ولكني لا أوثر الدنيا على الآخرة، ولا أبذل العلم لنيل المآرب الدنيوية.أ.هـ
ثانيا / الطمع المالي والحرص على الدرهم والدينار.وهذا أمر طبيعي فَقَالَ مُحَمَّدٌ بن المنكدر : نِعْمَ الْعَوْنُ الْيَسَارُ عَلَى الْمَجْدِ.أ.هـ إلا إذا تعدى الحد وطلبه من غير حله فيكون مذموما ممقوتا كما قال تعالى في سورة الفجر: (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ)رواه البخاري . ويشتد الأمر إذا طلبه بالدين فجعل الدين عوضا. فلبئس الصنيع ما صنعوا قال بعض السلف: : لَأَنْ أَطْلُبَ الدُّنْيَا بِالدُّفِّ وَالْمِزْمَارِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَطْلُبَهَا بِالدِّينِ . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ ، إِلا قَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ ، وَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ ، وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ، إِلا قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ ، أَلا وَإِنَّ الرُّوحَ الأَمِينَ نَفَثَ فِي رُوعِي ، أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا ، فَاتَّقُوا اللَّهَ ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ، وَلا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ رِزْقٍ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللهِ ، فَإِنَّهُ لا يُدْرَكُ مَا عِنْدَ اللهِ إِلا بِطَاعَتِهِ.قال في الفتح:صححه الحاكم.
ثالثا من أسباب الانتكاس / حب الشهرة وهي الشهوة الخفية. فإذا طلبها الإنسان هلك.وهذا ربما يكون بسبب حب المخالفة أصلا كما قيل (خالف تذكر) وقد قيل: إذا لم يكن لك في الخير اسم فارفع لك في الشر علما! أو بسبب البحث عن غرائب العلم وشواذ الأقوال في بطون الكتب واعتمادها حتى تكون دينا ومنهجا كما يحلو لبعضهم اسم :الوسطية أو العقلانية. قال – صلى الله عليه وسلم – : ” من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة ” رواه أحمد وأبو داود وغيرهما .
قال سفيان الثوري – رحمه الله – : ” إياك والشهرة ؛ فما أتيت أحدًا إلا وقد نهى عن الشهرة ” وقال إبراهيم بن أدهم – رحمه الله – : ” ما صدق اللهَ عبدٌ أحب الشهرة ” وما تواطأ السلف – رحمهم الله – على ذم الشهرة والتحذير من مغبتها إلا لمزالقها .ولأن عيب المشهور مشهور بين الناس
وقد قيل: العيب في الجاهل المغمور مغمور *** وعيب ذي الشهرة المشهور مشهور
قال في إحياء علوم الدين: اعلم أصلحك الله أن أصل الجاه هو انتشار الصيت والاشتهار وهو مذموم بل المحمود الخمول إلا من شهره الله تعالى لنشر دينه من غير تكلف طلب الشهرة منه…. فإن قلت فأي شهرة تزيد على شهرة الأنبياء والخلفاء الراشدين وأئمة العلماء فكيف فاتهم فضيلة الخمول فاعلم أن المذموم طلب الشهرة فأما وجودها من جهة الله سبحانه من غير تكلف من العبد فليس بمذموم .أ.هـ
قال تعالى:في سورة القصص (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )
قال السعدي في تفسيره: ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ) التي أخبر اللّه بها في كتبه وأخبرت بها رسله، التي قد جمعت كل نعيم، واندفع عنها كل مكدر ومنغص، ( نَجْعَلُهَا ) دارا وقرارا ( لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا ) أي: ليس لهم إرادة، فكيف العمل للعلو في الأرض على عباد اللّه، والتكبر عليهم وعلى الحق ( وَلا فَسَادًا ) وهذا شامل لجميع المعاصي، فإذا كانوا لا إرادة لهم في العلو في الأرض والإفساد، لزم من ذلك، أن تكون إرادتهم مصروفة إلى اللّه، وقصدهم الدار الآخرة، وحالهم التواضع لعباد اللّه، والانقياد للحق والعمل الصالح. وهؤلاء هم المتقون الذين لهم العاقبة، ولهذا قال: ( وَالْعَاقِبَةُ ) أي حالة الفلاح والنجاح، التي تستقر وتستمر، لمن اتقى اللّه تعالى، وغيرهم -وإن حصل لهم بعض الظهور والراحة- فإنه لا يطول وقته، ويزول عن قريب. وعلم من هذا الحصر في الآية الكريمة، أن الذين يريدون العلو في الأرض، أو الفساد، ليس لهم في الدار الآخرة، نصيب، ولا لهم منها نصيب.أ.هـ
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص الرجل على المال والشرف لدينه ) قال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط مسلم و صححه الألباني. وَالْمَعْنَى أَنَّ حِرْصَ الْمَرْءِ عَلَيْهِمَا أَكْثَرُ فَسَادًا لِدِينِهِ الْمُشَبَّهِ بِالْغَنَمِ لِضَعْفِهِ بجَنب حِرْصُهُ مِنْ إِفْسَادِ الذِّئْبَيْنِ لِلْغَنَمِ .
وفي صحيح مسلم قال كان سعد بن أبى وقاص في إبله فجاءه ابنه عمر فلما رآه سعد قال أعوذ بالله من شر هذا الراكب فنزل فقال له أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم فضرب سعد في صدره فقال: اسكت سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول « إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)
رابعا من أسباب الانتكاس / أن يكون انسلاخه بسبب الشهوات وحب اللذة العاجلة بسبب إدمان السفر إلى بلاد الفساد وإدمان النظر في وسائل الإعلام المنحرفة بجميع أنواعها وخاصة الانترنت.التي تورث المعاصي والموبقات خاصة ذنوب الخلوات.وإن كان عندهم من الأعمال الصالح الظاهرة .قال صلى الله عليه وسلم (لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، صِفْهُمْ لَنَا ، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ ، وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ انْتَهَكُوهَا).خرجه ابن ماجه وصححه الألباني.
ومن حكمة الله أن جعل أوامره عز وجل في مقابل شهوات النفس، فالإنسان إما أن يترك الشهوات بسبب الطاعات، أو يترك الطاعات بسبب الشهوات، ولا يمكن الجمع بينها، كما لا يمكن الجمع بين الماء والنار، لكن بفعل الأوامر، ويأخذ من الشهوات بقدر الحاجة.فالطاعات من أمر الله، والشهوات من النفس الأمارة بالسوء ، فالإنسان إما أن يكون عبداً للرب، أو عبداً للنفس. وقد زين الشيطان للناس الشهوات كما قال تعالى في سورة الأنفال: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) وفي التوبة قال سبحانه :(زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) فاتبع أكثر الناس الشهوات وتركوا أوامر الله .وفي المسند وغيره عن النواس بن سمعان الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : (ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبني الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تتفرجوا وداع يدعو من جوف الصراط فإذا أراد يفتح شيئا من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه والصراط الإسلام والسوران حدود الله تعالى والأبواب المفتحة محارم الله تعالى وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله عز و جل والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم ). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم و لا أعرف له علة و لم يخرجاه.وصححه الألباني.وقال شعيب الأرنؤوط : حديث صحيح وهذا إسناد حسن.
وفتن الدنيا كثيرة الأنواع، واسعة الأرجاء، ويجمعها كل ما كان للإنسان فيه حظ عاجل أشغل عن طاعة الله ورسوله. قال تعالى في سورة مريم: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) وقال السعدي: عند قوله تعالى في سورة يوسف:( إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) أي: لكثيرة الأمر لصاحبها بالسوء، أي: الفاحشة، وسائر الذنوب، فإنها مركب الشيطان، ومنها يدخل على الإنسان ( إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي) فنجاه من نفسه الأمارة، حتى صارت نفسه مطمئنة إلى ربها، منقادة لداعي الهدى، متعاصية عن داعي الردى، فذلك ليس من النفس، بل من فضل الله ورحمته بعبده.أ.هـ
وليعلم أنّ انقياد الإنسان واتّباعه للشّهوة يجعله في مصافّ الحيوانات، ويجلب له الخزي في الدّنيا، والعذاب في الآخرة. جاء في كتاب نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم: يقول الجاحظ: إذا تمكّنت الشّهوة من الإنسان وملكته وانقاد لها كان بالبهائم أشبه منه بالنّاس، لأنّ أغراضه ومطلوباته وهمّته تصير أبدا مصروفة إلى الشّهوات واللّذّات فقط، وهذه هي عادة البهائم، ومن يكون بهذه الصّفة يقلّ حياؤه، ويكثر خرقه، ويستوحش من أهل الفضل، ويبغض أهل العلم، ويودّ أصحاب الفجور، ويستحبّ الفواحش، ويسرّ بمعاشرة السّخفاء، ويغلب عليه الهزل وكثرة اللّهو، وقد يصير من هذه الحالة إلى الفجور، وارتكاب الفواحش، والتّعرّض للمحظورات، وربّما دعته محبّة اللّذّات إلى اكتساب الأموال من أقبح وجوهها، وربّما حملته على الغضب والتّلصّص والخيانة وأخذ ما ليس له بحقّ؛ فإنّ اللّذّات لا تتمّ إلّا بالأموال والأعراض، فمحبّ اللّذّة إذا تعذّرت عليه الأموال من وجوهها، جسّرته شهوته إلى اكتسابها من غير وجوهها، ومن تنتهي به شهواته إلى هذا الحدّ، فهو أسوأ النّاس حالا، ويصبح من الأشرار الّذين يخاف خبثهم، ويصير واجبا على متولّي السّياسات تقويمهم وتأديبهم، وإبعادهم ونفيهم، حتّى لا يختلطوا بالنّاس فإنّ اختلاط من هذه صفته بالنّاس مضرّة لهم، وبخاصّة الأحداث منهم، لأنّ الحدث (صغير السّنّ)
سريع الانطباع، ونفسه مجبولة على الميل إلى الشّهوات، فإذا شاهد غيره مرتكبا لها، مستحسنا للانهماك فيها، مال هو أيضا إلى الاقتداء به.أ.هـ ومن الخطير على بعض الناس حرصهم على مجالسة أهل الجاه والمناصب ومداهنتهم.
خامسا من أسباب الانتكاس / أن يكون انسلاخه بسبب الشبهات التي تلقاها من وسائل الإعلام والمجالس المشبوهة,والتوسع في قراءة الكتب والمقالات بلا حيطة ولا حذر…تلك الكتابات التي قصد من ورائها بث الشبهات. فإن العدو من شأنه أن يمكر ويبيت كل سوء ، ولكن الذي يمكن عدوه من نفسه أشد عداوة لنفسه من عدوه ، لأنه يفعل في نفسه ما لا يفعله أحدٌ به
وقد قيل:ما بَلغَ الأعداء مِن جاهِلٍ … ما بَلَغ الجاهِلُ مِن نَفسِهِ
وذلك بسبب غفلته، أو شهوته أو سوء تفكيره وتقديره وتدبيره أو سوء تصرفه وسوء عمله..فلا يدع أعداء الإسلام جانباً من جوانبه إلا ويثيرون حوله الشبهات ففي العبادات يحاولون تشكيك أبناء المسلمين ببعض ما هو منها ، أو يصورون صوراً من عند أنفسهم أو يفهمون مفاهيم خاطئة ، ثم يوجهون الانتقادات على ما صوروا وعلى ما فهموا ، وليس الإسلام في وا قع حاله كذلك.ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من النظر في كتب الأمم السابقة المحرفة . فعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أتاه عمر فقال إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا أفترى أن نكتب بعضها ؟ فقال : ” أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى ؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي ” . رواه أحمد والبيهقي في كتاب شعب الإيمان وقال الألباني حسن.
قوله : أمتهوكون أي : متحيرون أنتم في الإسلام ، لا تعرفون دينكم حتى تأخذوه من اليهود والنصارى) فما بالك بمن يمسي ويصبح على هذه القنوات وتلك المواقع فاللهم حفظك يارحمن!
قال ابن القيم رحمه الله في مفتاح دار السعادة: ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة, هذا لضعف علمه وقلة بصيرته إذا وردت على قلبه أدنى شبهة قدحت فيه الشك والريب بخلاف الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر ما أزالت يقينه ولا قدحت فيه شكا لأنه قد رسخ في العلم فلا تستفزه الشبهات بل إذا وردت عليه ردها حرس العلم وجيشه مغلولة مغلوبة والشبهة وارد يرد على القلب يحول بينه وبين انكشاف الحق له فمتى باشر القلب حقيقة العلم لم تؤثر تلك الشبهة فيه بل يقوى علمه ويقينه بردها ومعرفة بطلانها ومتى لم يباشر حقيقة العلم بالحق قلبه قدحت فيه الشك بأول وهلة فان تداركها وإلا تتابعت على قلبه أمثالها حتى يصير شاكا مرتابا والقلب يتوارده جيشان من الباطل جيش شهوات الغي وجيش شبهات الباطل فأيما قلب صغا إليها وركن إليها تشربها وامتلأ بها فينضح لسانه وجوارحه بموجبها فإن أشرب شبهات الباطل تفجرت على لسانه الشكوك والشبهات والإيرادات فيظن الجاهل أن ذلك لسعة علمه وإنما ذلك من عدم علمه ويقينه وقال لي شيخ الإسلام رضي الله عنه وقد جعلت أورد عليه إيرادا بعد إيراد: لاتجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح إلا بها ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقرا للشبهات أو كما قال فما اعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك.أ.هـ
وفي سير من سلف عبر للخلف قال الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي المعالي الجويني:درَّس بنظَامِيَّة نَيْسَابُوْر، وَاسْتقَام الأَمْر، وَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ ثَلاَثِيْنَ سَنَةً غَيْر مُزَاحَم وَلاَ مُدَافَع، مُسَلَّماً لَهُ المِحْرَابُ وَالمِنْبَر وَالخُطبَة وَالتدرِيس، وَمَجْلِسُ الوعظ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَظهرت تَصَانِيْفُهُ، وَحضر درسه الأَكَابِرُ وَالجمعُ العَظِيْم مِنَ الطَّلَبَة، كَانَ يَقعدُ بَيْنَ يَدَيْهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلاَث مائَة، وَتَفَقَّهَ بِهِ أَئِمَّة….َقَالَ السَّمْعَانِيّ:قَرَأْتُ بخط أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدٍ بن أَبِي عَلِيٍّ:سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الفِيروزآبَادِي يَقُوْلُ:تَمَتَّعُوا مِنْ هَذَا الإِمَام، فَإِنَّهُ نُزْهَةُ هَذَا الزَّمَان – يَعْنِي:أَبَا المعَالِي الجُوَيْنِيّ. وَقَرَأْتُ بخطِّ أَبِي جَعْفَرٍ أَيْضاً:سَمِعْتُ أَبَا المعَالِي يَقُوْلُ:قَرَأْتُ خَمْسِيْنَ أَلْفاً فِي خَمْسِيْنَ أَلْفاً، ثُمَّ خَلَّيْتُ أَهْلَ الإِسْلاَم بِإِسلاَمهم فِيْهَا وَعلُوْمهم الظَّاهِرَة، وَركبتُ البَحْرَ الخِضَمَّ، وَغُصتُ فِي الَّذِي نَهَى أَهْلُ الإِسْلاَم، كُلّ ذَلِكَ فِي طَلَبِ الحَقّ، وَكُنْتُ أَهرُبُ فِي سَالفِ الدَّهْر مِنَ التقليد، وَالآنَ فَقَدْ رَجَعت إِلَى كلمَة الحَقّ، عَلَيْكُم بدين العجَائِز، فَإِنْ لَمْ يَدركنِي الحَقّ بلطيف برّه، فَأَمُوْت عَلَى دين العجَائِز، وَيُخْتم عَاقبَة أَمرِي عِنْد الرّحيل عَلَى كلمَة الإِخلاَص:لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، فَالويلُ لابْنِ الجُوَيْنِيّ. قُلْتُ:كَانَ هَذَا الإِمَام مَعَ فَرْط ذكَائِهِ وَإِمَامته فِي الفروع وَأُصُوْلِ المَذْهَب وَقُوَّةِ مُنَاظرته لاَ يَدْرِي الحَدِيْثَ كَمَا يَليق بِهِ لاَ مَتْناً وَلاَ إِسْنَاداً.
قَالَ المَازرِيّ فِي شرح(البُرْهَان)عند قَوْله:إِنَّ اللهَ يَعلَمُ الكُلِّيَّاتِ لاَ الجُزْئِيَّات:وَدِدْتُ لَوْ مَحَوْتُهَا بِدَمِي.
وَقِيْلَ:لَمْ يَقُلْ بِهَذِهِ المَسْأَلَة تَصرِيحاً، بَلْ أُلزم بِهَا لأَنَّه قَالَ بِمسَأَلَة الاسْترسَال فِيمَا لَيْسَ بِمُتَنَاهٍ مِنْ نَعيمِ أَهْل الجَنَّة، فَاللهُ أَعْلَم. قُلْتُ:هَذِهِ هَفْوَة اعتزَال، هُجِرَ أَبُو المَعَالِي عَلَيْهَا، وَحَلَفَ أَبُو القَاسِمِ القُشَيْرِيُّ لاَ يُكَلِّمهُ، وَنُفِيَ بِسَبَبهَا، فَجَاور وَتعبَّد، وَتَاب – وَللهِ الحَمْدُ – مِنْهَا، كَمَا أَنَّهُ فِي الآخَرِ رجَّحَ مَذْهَب السَّلَف فِي الصِّفَات وَأَقَرَّه.
قَالَ الفَقِيْه غَانِم المُوْشِيلِي:سَمِعْتُ الإِمَام أَبَا المعَالِي يَقُوْلُ:لَوِ اسْتَقبلتُ مِنْ أَمرِي مَا اسْتدبرتُ مَا اشْتَغَلتُ بِالكَلاَم. وَمَا صَحَّ مِنْ أَخْبَارِ الرَّسُول كخبر النُّزَولِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا ذكرنَاهُ. قَالَ الحَافِظُ مُحَمَّدُ بنُ طَاهِرٍ:سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ القَيْرَوَانِيّ الأَدِيْبَ – وَكَانَ يَخْتلِف إِلَى درس الأُسْتَاذ أَبِي المَعَالِي فِي الكَلاَم – فَقَالَ:سَمِعْتُ أَبَا المعَالِي اليَوْم يَقُوْلُ:يَا أَصْحَابنَا لاَ تَشتغلُوا بِالكَلاَم، فَلَو عَرَفْتُ أَنَّ الكَلاَم يَبلغُ بِي مَا بلغَ مَا اشْتَغَلتُ بِهِ.وَحَكَى الفَقِيْهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الحَسَنُ بنُ العَبَّاسِ الرُّسْتمِيّ قَالَ:حَكَى لَنَا أَبُو الفَتْحِ الطّبرِيُّ الفَقِيْه قَالَ:دَخَلْتُ عَلَى أَبِي المَعَالِي فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ:اشَهِدُوا عَليَّ أَنِّي قَدْ رَجَعْتُ عَنْ كُلِّ مَقَالَةٍ تُخَالف السُّنَّة، وَأَنِّي أَمُوْتُ عَلَى مَا يَموتُ عَلَيْهِ عجَائِز نَيْسَابُوْر.أ.هـ رحمه الله رحمة واسعة وعفا عنا وعنه. وبني زماننا يتوبون من صلاحهم ويندبون ماضيهم المشرق لأنهم تنوروا.. زعمواّّ!!
سادسا / قلة التزود من نوافل الطاعات كنوافل الصلاة والصيام والذكر والصدقات. ففي صحيح البخاري أن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ). ولذلك يجب على المرء إن يتعاهد نفسه ويفتش عن عيوبها وما يعتريها من النقص والخلل في الأعمال الصالحة خاصة أعمال القلوب وطاعات السر بعيدا عن التزيد وتلميع الأعمال وإظهارها.
سابعا / عدم المبالاة بما يلحظه المرء على نفسه من تغير وتقصير فلربما سرى النقص والخلل دون اكتراث ولا ندم وقد ذكر صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ميزانا يعرف الإنسان به نفسه . فقد أخرج الحاكم في مستدركه:عن حذيفة رضي الله عنه قال: إذا أحب أحدكم أن يعلم أصابته الفتنة أم لا فلينظر فإن كان رأى حلالا كان يراه حراما فقد أصابته الفتنة و إن كان يرى حراما كان يراه حلالا فقد أصابته )قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه
ثامنا من أسباب الانتكاس / قلة المنكر -بكسر الكاف- لعموم المنكرات ومنها الإنكار على من لمح منه الانحراف.ولقد كان لوجود الشيخين الجليلين(ابن باز وابن عثيمين)رحمهما الله. أثر على سلوك طلاب العلم والدعاة فهما قدوة العلماء لما حباهما الله من العلم والقبول والمكانة.والصدع بالحق ومتابعة أهل الانحراف والشهوات والشبهات.فرحمهما الله وأبدل الأمة بموتهما خيرا.فما أحوجنا إلى احتساب العلماء وطلاب العلم والدعاة على بعضهم بنية صادقة ولغة صافية. قال أبو حامد الغزاليّ في الإحياء: إنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدّين، وهو المهمّ الّذي ابتعث اللّه له النّبيّين أجمعين، ولو طوي بساطه، وأهمل علمه وعمله لتعطّلت النّبوّة، واضمحلّت الدّيانة، وعمّت الفترة وفشت الضّلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتّسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلّا يوم التّناد، وقد كان الّذي خفنا، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون.)أ.هـ
قال ابن عباس رضي الله عنه عند قوله تعالى في سورة الحديد:( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) قال : إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم) . وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية… إلا أربع سنين ).فالحاجة قائمة بل ملحة على لعتاب مؤدب بليغ.فيا ليت من يرى من نفسه أهلا أن ينبري لهذا.لعل الله أن يصلح حال إخواننا إنه جواد كريم.
تاسعا / الحزبية المقيتة التي فرقت طلاب العلم من أهم أسباب النكوص عن الحق لأن الرجل يشتغل بعيوب غيره عن عيوب نفسه , وذلك بتتبع الزلات ونقد وجهات النظر التي يسع فيها الخلاف
وليعلم أنه لا يسلم من الزلة بعد الأنبياء أحد
من ذا الذي ما ساء قط … و من له الحسنى فقط
قال في أدب الدنيا والدين للماوردي: وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ : لَا يُزْهِدَنَّكَ فِي رَجُلٍ حُمِدَتْ سِيرَتَهُ ، وَارْتَضَيْتَ وَتِيرَتَهُ ، وَعَرَفْتَ فَضْلَهُ ، وَبَطَنْتَ عَقْلَهُ عَيْبٌ تُحِيطُ بِهِ كَثْرَةُ فَضَائِلِهِ ، أَوْ ذَنْبٌ صَغِيرٌ تَسْتَغْفِرُ لَهُ قُوَّةُ وَسَائِلِهِ .
فَإِنَّك لَنْ تَجِدَ ، مَا بَقِيت ، مُهَذَّبًا لَا يَكُونُ فِيهِ عَيْبٌ ، وَلَا يَقَعُ مِنْهُ ذَنْبٌ .
فَاعْتَبِرْ نَفْسَك ، بَعْدَ ، أَنْ لَا تَرَاهَا بِعَيْنِ الرِّضَى ، وَلَا تَجْرِي فِيهَا عَلَى حُكْمِ الْهَوَى ، فَإِنَّ فِي اعْتِبَارِك وَاخْتِيَارِك لَهَا مَا يُؤَيِّسُك مِمَّا تَطْلُبُ ، وَيُعَطِّفُك عَلَى مَنْ يُذْنِبُ .
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ : وَمَنْ ذَا الَّذِي تُرْضَى سَجَايَاهُ كُلُّهَا كَفَى الْمَرْءُ نُبْلًا أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُهْ
وَقَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ : وَلَسْت بِمُسْتَبْقٍ أَخًا لَا تَلُمْهُ عَلَى شَعَثٍ أَيُّ الرِّجَالِ الْمُهَذَّبُ .أ.هـ
فإذا كان العيب طبيعة وقابل للتقويم فالحذر الحذر من التصنيف المقيت والحزبية المذمومة فالفرقة والنزاع جرح خطير في الأمة لايستفيد منها إلا العدو .كما قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )جاء في كتاب نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم: قال الشّاطبيّ في الموافقات- رحمه اللّه تعالى-: وهو يذكر علامات أهل البدع، منها: الفرقة الّتي نبّه عليها قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ (الأنعام/ 159) وقوله وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا (آل عمران/ 105) فعزا رحمه اللّه- إلى بعض المفسّرين: أنّهم صاروا فرقا لاتّباع أهوائهم، وبمفارقة الدّين تشتّتت أهواؤهم فافترقوا ثمّ برّأ اللّه نبيّه منهم بقوله: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ. ثمّ ذكر أنّ الصّحابة اختلفوا ولم يتفرّقوا إلى أن قال- رحمه اللّه تعالى-: فكلّ مسألة حدثت في الإسلام فاختلف النّاس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة علمنا أنّها من مسائل الإسلام. وكلّ مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتّنافر والتّنابز والقطيعة علمنا أنّها ليست من أمر الدّين في شيء قال: فيجب على كلّ ذي دين وعقل أن يجتنبها، فإذا اختلفوا وتقاطعوا كان ذلك لحدث أحدثوه من اتّباع الهوى.أ.هـ
العاشر من أسباب الانتكاس / إطراء الناس ومدحهم فربما أوجد العجب في النفس الضعيفة فأدى إلى الكبر فيرد الحق ويحتقر الناس ويزدريهم.وربما فتر عن العمل اغترارا بالمدح. قال صلى الله عليه وسلم- « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ». قال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال « إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ».رواه مسلم .ولهذا جاءت الأدلة بالنهي عن المدح والإطراء ففي الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه قال: سمع النبي صلّى الله عليه وسلّم رجلاً يثني على رجل، ويطريه في مدحه فقال: أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل ). قال ابن بطال: معنى هذا الحديث – والله أعلم – النهى عن أن يفرط في مدح الرجل بما ليس فيه؛ فيدخله من ذلك الإعجاب، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة؛ ولذلك قال: قطعتم ظهر الرجل. حين وصفتموه بما ليس فيه. فربما حمله ذلك على العجب والكبر، وعلى تضييع العمل وترك الازدياد من الفضل، واقتصر على حاله من حصل موصوفًا بما وصف به، وكذلك تأول العلماء في قوله عليه السلام: « احثوا التراب في وجه المداحين » المراد به: المداحون الناس في وجوههم بالباطل وبما ليس فيهم. ولذلك قال عمر بن الخطاب: المدح هو الذبح. أ.هـ
قال في إحياء علوم الدين: اعلم أن أكبر الناس إنما هلكوا بخوف مذمة الناس وحب مدحهم فصار حركاتهم كلها موقوفة على ما يوافق رضا الناس رجاء للمدح وخوفا من الذم وذلك من المهلكات.أ.هـ
وقال رحمه الله :قال مطرف ما سمعت قط ثناء ولا مدحة إلا تصاغرت إلى نفسي وقال زياد بن أبي مسلم ليس أحد يسمع ثناء عليه أو مدحة إلا تراءى له الشيطان ولكن المؤمن يراجع فقال ابن المبارك لقد صدق كلاهما أما ما ذكره زياد فذلك قلب العوام وأما ما ذكره مطرف فذلك قلب الخواص وقال صلى الله عليه وسلم لو مشى رجل إلى رجل بسكين مرهف كان خيرا له من أن يثني عليه في وجهه حديث لو مشى رجل إلى رجل بسكين مرهف كان خيرا له من أن يثني عليه في وجهه لم أجده أيضا وقال عمر رضي الله عنه المدح هو الذبح وذلك لأن المذبوح هو الذي يفتر عن العمل والمدح يوجب الفتور أو لأن المدح يورث العجب والكبر وهما مهلكان كالذبح لذلك شبهه به.أ.هـ والواجب على طلبة العلم والدعاة إلى الله أن يكونوا من أعظم الناس تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم في تواضعه ولين جانبه وبعده عن الترفع على الناس. فقد قال عليه الصلاة والسلام :(وإن الله أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغى أحد على أحد).رواه مسلم .وقال صلى الله عليه وسلم: (لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُه).رواه البخاري.وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، (أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ).متفق عليه
الحادي عشر من أسباب الانتكاس/العجب بالنفس فإنه لما كان المدح والإطراء من أعظم أسباب الإعجاب والإعجاب من أعظم أسباب الانتكاس. قال ابن عبد البر: ” الإعجاب آفة الأحباب، ومن أُعجِب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل ” قال في إحياء علوم الدين: اعلم أن على الممدوح أن يكون شديد الاحتراز عن آفة الكبر والعجب وآفة الفتور ولا ينجو منه إلا بأن يعرف نفسه ويتأمل ما في خطر الخاتمة ودقائق الرياء وآفات الأعمال فإنه يعرف من نفسه ما لا يعرفه المادح ولو انكشف له جميع أسراره وما يجري على خواطره لكف المادح عن مدحه وعليه أن يظهر كراهة المدح بإذلال المادح.أ.هـ
قال في فيض القدير: قال الغزالي رحمه الله : فمن صنع بك معروفا فإن كان ممن يحب الشكر والثناء فلا تمدحه لأن قضاء حقه أن لا تقره على الظلم وطلبه للشكر ظلم ، وإلا فأظهر شكره ليزداد رغبة في الخير.أ.هـ
قال في أدب الدنيا والدين: فَأَمَّا مَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ الْأَخْلَاقِ الَّتِي بِهِمْ أَلْيَقُ ، وَلَهُمْ أَلْزَمُ ، فَالتَّوَاضُعُ وَمُجَانَبَةُ الْعُجْبِ ؛ لِأَنَّ التَّوَاضُعَ عَطُوفٌ وَالْعُجْبَ مُنَفِّرٌ .وَهُوَ بِكُلِّ أَحَدٍ قَبِيحٌ وَبِالْعُلَمَاءِ أَقْبَحُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ بِهِمْ يَقْتَدُونَ وَكَثِيرًا مَا يُدَاخِلُهُمْ الْإِعْجَابُ لِتَوَحُّدِهِمْ بِفَضِيلَةِ الْعِلْمِ.وَلَوْ أَنَّهُمْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ وَعَمِلُوا بِمُوجِبِ الْعِلْمِ لَكَانَ التَّوَاضُعُ بِهِمْ أَوْلَى ، وَمُجَانَبَةُ الْعُجْبِ بِهِمْ أَحْرَى ؛ لِأَنَّ الْعُجْبَ نَقْصٌ يُنَافِي الْفَضْلَ لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الْعُجْبَ لَيَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ } .فَلَا يَفِي مَا أَدْرَكُوهُ مِنْ فَضِيلَةِ الْعِلْمِ بِمَا لَحِقَهُمْ مِنْ نَقْصِ الْعُجْبِ .وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { قَلِيلُ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ الْعِبَادَةِ.وَكَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا إذَا عَبَدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا إذَا أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ }.وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَتَعَلَّمُوا لِلْعِلْمِ السَّكِينَةَ وَالْحِلْمَ وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ تُعَلِّمُونَ وَلْيَتَوَاضَعْ لَكُمْ مَنْ تُعَلِّمُونَهُ ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ جَبَابِرَةِ الْعُلَمَاءِ فَلَا يَقُومُ عِلْمُكُمْ بِجَهْلِكُمْ . وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنْ تَكَبَّرَ بِعِلْمِهِ وَتَرَفَّعَ وَضَعَهُ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ تَوَاضَعَ بِعِلْمِهِ رَفَعَهُ بِهِ. وَعِلَّةُ إعْجَابِهِمْ انْصِرَافُ نَظَرِهِمْ إلَى كَثْرَةِ مَنْ دُونَهُمْ مِنْ الْجُهَّالِ ، وَانْصِرَافُ نَظَرِهِمْ عَمَّنْ فَوْقَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مُتَنَاهٍ فِي الْعِلْمِ إلَّا وَسَيَجِدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ إذْ الْعِلْمُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهِ بَشَرٌ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ } . يَعْنِي فِي الْعِلْمِ: { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ }.أ.هـ
قال في إحياء علوم الدين: اعلم أن آفات العجب كثيرة فإن العجب يدعو إلى الكبر لأنه أحد أسبابه كما ذكرناه فيتولد من العجب الكبر ومن الكبر الآفات الكثيرة التي لا تخفى, هذا مع العباد وأما مع الله تعالى فالعجب يدعو إلى نسيان الذنوب وإهمالها فبعض ذنوبه لا يذكرها ولا يتفقدها لظنه أنه مستغن عن تفقدها فينساها وما يتذكره منها فيستصغره ولا يستعظمه فلا يجتهد في تداركه وتلافيه بل يظن أنه يغفر له , وأما العبادات والأعمال فإنه يستعظمها ويتبجح بها ويمن على الله بفعلها وينسى نعمة الله عليه بالتوفيق والتمكين منها ثم إذا أعجب بها عمي عن آفاتها
ومن لم يتفقد آفات الأعمال كان أكثر سعيه ضائعا فإن الأعمال الظاهرة إذا لم تكن خالصة نقية عن الشوائب قلما تنفع وإنما يتفقد من يغلب عليه الإشفاق والخوف دون العجب والمعجب يغتر بنفسه وبرأيه ويأمن مكر الله وعذابه ويظن أنه عند الله بمكان وأن له عند الله منة وحقا بأعماله التي هي نعمة وعطية من عطاياه ويخرجه العجب إلى أن يثني على نفسه ويحمدها ويزكيها وإن أعجب برأيه وعمله وعقله منع ذلك من الاستفادة ومن الاستشارة والسؤال فيستبد بنفسه ورأيه ويستنكف من سؤال من هو أعلم منه وربما يعجب بالرأي الخطأ الذي خطر له فيفرح بكونه من خواطره ولا يفرح بخواطر غيره فيصر عليه ولا يسمع نصح ولا وعظ واعظ بل ينظر إلى غيره بعين الاستجهال ويصر على خطئه فإن كان رأيه في أمر دنيوي فيحقق فيه وإن كان في أمر ديني لا سيما فيما يتعلق بأصول العقائد فيهلك به ولو اتهم نفسه ولم يثق برأيه واستضاء بنور القرآن واستعان بعلماء الدين وواظب على مدارسة العلم وتابع سؤال أهل البصيرة لكان ذلك يوصله إلى الحق , فهذا وأمثاله من آفات العجب فلذلك كان من المهلكات ومن أعظم آفاته أن يفتر في السعي لظنه أنه قد فاز وأنه قد استغنى وهو الهلاك الصريح الذي لا شبهة فيه.أ.هـ
وفي صحيح الإمام مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ ( لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ). قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ ( إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : الْعَظَمَةُ إِزَارِي ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدَةً مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي جَهَنَّمَ.قال الألباني:في صحيح الجامع( صحيح )
فالواجب الحذر من الإعجاب بالنفس. قال صلى الله عليه وسلم:” إذا رأيت شُحًّا مُطاعًا وهوًى متبعًا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك العوام ” رواه أبو داود والترمذي . قال مطرف بن عبد الله الشخّير: (لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً؛ أحبّ إليَّ من أن أبيت قائماً فأصبح معجباً).
وقال الإمام ابن القيم: ( إنك إن تبيت نائماً وتصبح نادماً؛ خير من أن تبيت قائماً وتصبح معجباً، فإن المعجب لا يصعد له عمل. وإنك إن تضحك وأنت معترف خير من أن تبكي وأنت مدل. وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبّحين المدلين. ولعلَّ الله سقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داءً قاتلاً هو فيك ولا تشعر.أ.هـ
فعلى العاقل أن يعرف قدر نفسه,وألا يلقي بنفسه فيما لا قدرة له عليه.فيندم يوم لا ينفع الندم .فقد قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين : (أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ).فقد حذر عليه الصلاة والسلام من تمني لقاء الفتن وأمر بسؤال الله العافية وأعطى درسا عمليا حينما دعا ولجأ إلى الله. فربما اغتر المرء بالهالة الإعلامية التي تطبل وراءه,فسولت له نفسه المغامرة في مواجهات صعبة لا قبل له بها دفعه إلى ذلك الغرور والعجب المهلك فيعجز عن المقاومة والثبات فيتراجع.
فقد روي عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ ، يَخْطُبُ ، فَذَكَرَ كَلَامًا أَنْكَرْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أُغَيِّرَهُ فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَذِلَّ نَفْسَهُ ” ، قَالُوا : وَكَيْفَ يَذِلُّ نَفْسَهُ ؟ قَالَ : ” يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يُطِيقُ)ورواه عن حذيفة الترمذي وغيره وقال: هذا حديث حسن غريب. وقال الألباني : صحيح. وفي البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ( حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وِعَاءَيْنِ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ).
الثاني عشر من أسباب الانتكاس/ضعف الإيمان فإن لذلك أعظم الأثر على الثبات على الحق والدين فصاحب الإيمان الراسخ واليقين لا تزعزعه الفتن مهما قويت قال تعالى: (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) أما ضعيف الإيمان واليقين كالورقة في مهب الريح.يقول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى عن هولاء: وَلَوْ شُكِّكُوا لَشَكُّوا وَلَوْ أُمِرُوا بِالْجِهَادِ لَمَا جَاهَدُوا وَلَيْسُوا كُفَّارًا وَلَا مُنَافِقِينَ بَلْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِ الْقَلْبِ وَمَعْرِفَتِهِ وَيَقِينِهِ مَا يَدْرَأُ الرَّيْبَ وَلَا عِنْدَهُمْ مِنْ قُوَّةِ الْحُبِّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مَا يُقَدِّمُونَهُ عَلَى الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَهَؤُلَاءِ إنْ عَرَفُوا مِنْ الْمِحْنَةِ وَمَاتُوا دَخَلُوا الْجَنَّةَ. وَإِنْ اُبْتُلُوا بِمَنْ يُورِدُ عَلَيْهِمْ شُبُهَاتٍ تُوجِبُ رَيْبَهُمْ فَإِنْ لَمْ يُنْعِمْ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِمَا يُزِيلُ الرَّيْبَ وَإِلَّا صَارُوا مُرْتَابِينَ وَانْتَقَلُوا إلَى نَوْعٍ مِنْ النِّفَاقِ.أ.هـ
الثالث عشر/ الفتن والمحن والشدائد قال شيح الإسلام: وَهَذَا حَالُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي زَمَانِنَا أَوْ أَكْثَرِهِمْ إذَا اُبْتُلُوا بِالْمِحَنِ الَّتِي يَتَضَعْضَعُ فِيهَا أَهْلُ الْإِيمَانِ يَنْقُصُ إيمَانُهُمْ كَثِيرًا وَيُنَافِقُ أَكْثَرُهُمْ أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُظْهِرُ الرِّدَّةَ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ غَالِبًا؛ وَقَدْ رَأَيْنَا وَرَأَى غَيْرُنَا مِنْ هَذَا مَا فِيهِ عِبْرَةٌ. وَإِذَا كَانَتْ الْعَافِيَةُ أَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ ظَاهِرِينَ عَلَى عَدُوِّهِمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ. وَهُمْ مُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا لَكِنْ إيمَانًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الْمِحْنَةِ. وَلِهَذَا يَكْثُرُ فِي هَؤُلَاءِ تَرْكُ الْفَرَائِضِ وَانْتِهَاكُ الْمَحَارِمِ.أ.هـ وأخطر هذه المحن المشاكل النفسية بسبب الوساوس أو الضغط الأسري أو الاجتماعي فربما أودت به الى التسخط على قدر الله والقدح في حكمته وعدله فيؤدي ذلك إلى الردة والانتكاسة .قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ)قال السعدي: لما ذكر تعالى أنه لا بد أن يمتحن من ادَّعى الإيمان، ليظهر الصادق من الكاذب، بيَّن تعالى أن من الناس فريقا لا صبر لهم على المحن، ولا ثبات لهم على بعض الزلازل.أ.هـ
وفي الختام هذه دعوة صادقة إلى ألئك المنتكسين. أن يراجعوا حساباتهم خوفا من الله ورجاء ما عنده.وإن مما يعينهم على ذلك,العلم بقصر وحقارة هذه الحياة الدنيا وأن الآخرة خير وأبقى.وليتأمل العاقل كثرة آفاتها وسرعة زوالها
يا من تبجح بالدنيا وزخرفها … كنْ من صروف لياليها على حذر
ولا يغرنك عيشٌ إن صفا وعفا … فالمرء من غرر الأيام في غرر
إنَّ الزمانَ كما جربت خلقته … مقسم الأمر بين الصفو والكدر
وليعلم أن الذكر الحسن لمن لزم الجادة وسار على نهج المصطفى عليه الصلاة والسلام حتى الممات.فمن خالف هذا النهج سيندم ولا بد. قال تعالى(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ )
وعلى من أعجب بأولئك المنتكسين المتخاذلين وزينت له نفسه الدخول في هذه الأوحال والأوضار أن يتراجع فالخسارة واضحة.قال تعالى في سورة الأعراف: (وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)
وعلى ولاة الأمر من العلماء والحكام الحجر على هولاء المتراجعين ومنعهم من التبجح بأفكارهم حماية للدين وأهله خشية الإعجاب بهم بآرائهم وأفكارهم المغلوطة .قال في المبسوط للسرخسي الحنفي: لَا يَجُوزُ الْحَجْرُ إلَّا عَلَى ثَلَاثَةٍ عَلَى الْمُفْتِي الْمَاجِنِ ، وَعَلَى الْمُتَطَبِّبِ الْجَاهِلِ ، وَعَلَى الْمُكَارِي الْمُفْلِسِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ الْفَاحِشِ إذَا لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِمْ ، فَالْمُفْتِي الْمَاجِنُ يُفْسِدُ عَلَى النَّاسِ دِينَهُمْ وَالْمُتَطَبِّبُ الْجَاهِلُ يُفْسِدُ أَبْدَانَهُمْ ، وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسُ يُتْلِفُ أَمْوَالَهُمْ فَيَمْتَنِعُونَ مِنْ ذَلِكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ .أ.هـ
*وإن الواجب علينا أمران: الفرح بفضل الله علينا بالإسلام والخوف من الانتكاس
قال في كشف الشبهات:وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا أفادك فائدتين: الأولى: الفرح بفضل الله ورحمته كما قال تعالى: { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ }، وأفادك أيضا الخوف العظيم. فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل ، وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله تعالى كما ظن المشركون ، خصوصا إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين : { اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } [ الأعراف : 138 ] ، فحينئذ يعظم خوفك وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله .أ.هـ
ولهذا جاء في صحيح الإمام مسلم أنه كان صلى الله عليه وسلم- إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاَتَهُ بقوله ( اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِى لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ).وفي مسلم أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قال : إِنَّ قُلُوبَ بني آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ( اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ)
وعن أنس قال : كان النبي صلى الله عليه و سلم يكثر أن يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قال فقلنا يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا قال فقال نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله عز و جل يقلبها )رواه الترمذي وغيره وقال شعيب الأرنؤوط : إسناده قوي على شرط مسلم
اللهم اهدنا فيمن هديت وتولنا فيمن توليت, اللهم آت نفوسنا تقواها زكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها
وصلي اللهم وسلم على نبينا محمد واله وصحبه.
كتبه / د.عبد الرحمن بن صالح بن عثمان المزيني.
المشرف العام على موقع رياض الإسلام
تم الفراغ منه بحمد الله عصر الاثنين 28/3/1433هـ
almuzaini.a@gmail.com