السفر إلى بلاد الكفر والفساد

السفر إلى بلاد الكفر والفساد بصيغة pdf

 

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد بلينا منذ أزمان بتنافس الناس على السفر إلى بلاد الكفر والفساد لأجل السياحة.. مما حصل منه شر عظيم وانفتاح كبير على الفساد, وقد كان علماؤنا الكرام يحذرون من ذلك في كتاباتهم ودروسهم وفتاواهم , وقد بينوا مخاطر السفر إلى بلاد الكفر والفساد وضوابط جوازه , لكننا ابتلينا في هذه الأيام بفتاوى أثر عليها ضغط الواقع سواء واقع ذلك المفتي أو واقع عموم الناس من الانفتاح على السفر بلا روية مما حصل منه الشر والبلاء. ويزيد الأمر سوءا إذا كان المسافر ممن يقتدى به كطلبة العلم ونحوهم , مما ظهر معه تمييع للدين ورد لكلام الأئمة من علماء المسلمين فعن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) أي الداعين إلى البدع والفسق والفجور.المائلين عن الحق المميلين عنه, فالإمام في العلم قد يقع في شبهة ويعتريه زلة فيضل بهوى أو بدعة فيتبعه عوام المسلمين تقليداً. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقد جاءت النصوص الدالة على تحريم السفر إلى بلاد الكفر والشرك, فلا يجوز الإعراض عنها لداعي الهوى ومسايرة الواقع وضغطه.
قال صلى الله عليه وسلم ( أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين ، لاتراءى نارهما ) وقال صلى الله عليه وسلم ( لايقبل الله من مشرك عملاً بعدما أسلم أو يزايل المشركين ) وقال صلى الله عليه وسلم 🙁 من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله) .
وقال جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه ( بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم وعلى فراق المشرك)
وفي المسند أن لقيطا خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم … وفيه قال لقيط قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أُبَايِعُكَ ؟ قَالَ : فَبَسَطَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ ، وَقَالَ : عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَزِيَالِ الْمُشْرِكِ ، وَأَنْ لاَ تُشْرِكَ بِاللَّهِ إِلَهًا غَيْرَهُ …الحديث
قال القرطبي في المفهم: ولا يختلف في أنه لا يحل لمسلم المقام في بلاد الكفر مع التمكن من الخروج منها ؛ لجريان أحكام الكفر عليه ، ولخوف الفتنة على نفسه . وهذا حكم ثابت مؤبد إلى يوم القيامة . وعلى هذا فلا يجوز لمسلم دخول بلاد الكفر لتجارة ، أو غيرها مما لا يكون ضروريًّا في الدِّين ، كالرُّسل ، وكافتكاك المسلم . وقد أبطل مالك رحمه الله شهادة من دخل بلاد الهند للتجارة .أ.هـ
قال الإمام البغوي رحمه الله عند قوله تعالى:( وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) هُوَ الْمَحَبَّةُ وَالْمَيْلُ بِالْقَلْبِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا تَرْضَوْا بِأَعْمَالِهِمْ. قَالَ السُّدِّيُّ: لَا تُدَاهِنُوا الظَّلَمَةَ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ: لَا تُطِيعُوهُمْ. وَقِيلَ: لَا تَسْكُنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا. {فَتَمَسَّكُمُ} فَتُصِيبَكُمُ، {النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ} أَيْ: أَعْوَانٍ يَمْنَعُونَكُمْ مِنْ عَذَابِهِ، {ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} .أ.هـ
وقال ابن عبد البر في التمهيد: وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْهِجْرَةِ بَابٌ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ الْمُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ إِذَا أَطَاقَتْ أُسْرَتُهُ أَوْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْمُقَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَكَانَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ عَنْهَا فَرْضًا وَاجِبًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ وَكَيْفَ يجوز لمسلم الْمُقَامُ فِي دَارٍ تَجْرِي عَلَيْهِ فِيهَا أَحْكَامُ الْكُفْرِ وَتَكُونُ كَلِمَتُهُ فِيهَا سُفْلَى وَيَدُهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ هَذَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ. أ.هـ
وقال ابن حجر في الفتح عند قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم).قال:ويستفاد من هذا مشروعية الهرب من الكفار ومن الظلمة لأن الإقامة معهم من إلقاء النفس إلى التهلكة هذا إذا لم يعنهم ولم يرض بأفعالهم فان أعان أو رضي فهو منهم ويؤيده أمره صلى الله عليه و سلم بالإسراع في الخروج من ديار ثمود.أ.هـ وقال ابن القيم في زاد المعاد: ومنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من إقامة المسلم بين المشركين إذا قدر على الهجرة من بينهم وقال أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين قيل يا رسول الله ولم ؟ قال لا تراءى نارهما .وقال من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله. وقال لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها وقال ستكون هجرة بعد هجرة ، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ويبقى في الأرض شرار أهلها ، تلفظهم أرضوهم تقذرهم نفس الله وتحشرهم النار مع القردة والخنازير .أ.هـ
وقال رحمه الله: وفيه تخطئة من يقيم بين أهل المعصية باختياره لا لقصد صحيح من إنكار عليهم مثلا أو رجاء إنقاذ مسلم من هلكة وان القادر على التحول عنهم لا يعذر.أ.هـ
قال في تحفة الأحوذي :أَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْإِقَامَةَ بَيْنَ ظَهَرَانِي قَوْمٍ كُفَّارٍ ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا صَنَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَحَلَّ نَفْسَهُ فِيهِمْ مَحَلَّ الذِّمِّيِّ فِينَا ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجُرَّ إِلَى نَفْسِهِ الصَّغَارَ.أ.هـ
و قال عبد الرحمن بن حسن في المطلب الحميد: وأما السفر إلى بلاد المشركين للتجارة فقد عمت به البلوى وهو نقص في دين من فعله لكونه عرض نفسه للفتنة بمخالطة المشركين فينبغي هجره وكراهته فهذا هو الذي يفعله المسلمون معه من غير تعنيف ولا سب ولا ضرب ويكفي في حقه إظهار الإنكار عليه وإنكار فعله ولو لم يكن حاضرا .أ.هـ
وقال علماء اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز في فتوى حول خطورة التنصير : ..الحذر من قبل كل فرد وأسرة من السفر إلى بلاد الكفار، إلا لحاجة شديدة، كعلاج أو علم ضروري لا يوجد في البلاد الإسلامية، مع الاستعداد لدفع الشبهات والفتنة في الدين الموجهة للمسلمين.أ.هـ
وجاء في الدرر السنية: الفتنة في الأرض: الشرك، والفساد الكبير: اختلاط المسلم بالكافر، والمطيع بالعاصي؛ فعند ذلك يختل نظام الإسلام، وتضمحل حقيقية التوحيد، ويحصل من الشر ما الله به عليم.أ.هـ
وقد عد الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله السكنى معهم نوعا من المولاة فقال في الدرر: قد نهى الله سبحانه عن موالاة الكفار، وشدد في ذلك، وأخبر أن من تولاهم فهو منهم، وكذلك جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أحب قوماً حُشر معهم؛ ويُفهم مما ذكرنا من الكتاب والسنة، والآثار عن السلف، أمور، مَن فعلها دخل في تلك الآيات، وتعرض للوعيد بمسيس النار ..إلى أن قال: العشرون: السكنى معهم في ديارهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: “من جامع المشركين وسكن معهم، فإنه مثلهم”، رواه أبو داود.أ.هـ
ولم يفرق رحمه الله بين الإقامة مدة قريبة أو بعيدة:فقال رحمه الله: لا فرق بين المدة القريبة والبعيدة، فكل بلد لا يقدر على إظهار دينه فيها، ولا على عدم موالاة المشركين، لا يجوز له المقام فيها ولا يوماً واحداً، إذا كان يقدر على الخروج منها.أ.هـ
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم في الفتاوى: البلد التي يحكم فيها بالقانون ليست بلد إسلام. تجب الهجرة منها، وكذلك إذا ظهرت الوثنية من غير نكير ولا غيرت فتجب الهجرة فالكفر بفشو الكفر وظهوره. هذه بلد كفر. أما إذا كان قد يحكم فيها بعض الأفراد أو وجود كفريات قليلة لا تظهر فهي بلد إسلام. (تقرير).أ.هـ
وقالت اللجنة : وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في التحذير من الإقامة في بلاد الكفار من غير مسوغ شرعي ؛ كقوله صلى الله عليه وسلم : « أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين » ، وغيره من الأحاديث ، وما وقع فيه بعض المسلمين من السفر إلى بلاد الكفار من غير ضرورة هو من التساهل الذي لا يجوز في دين الله ، وهو من إيثار الدنيا على الآخرة .أ.هـ
وقال الشيخ ابن باز في مجموع الفتاوى: فالسفر إلى بلاد المشركين وإلى البلاد التي فيها الحرية وعدم إنكار المنكر فيه خطر عظيم على دينه وأخلاقه وعلى دين زوجته أيضا إذا كانت معه , فالواجب على جميع شبابنا وعلى جميع إخواننا ترك هذا السفر وصرف النظر عنه والبقاء في بلادهم وقت الزواج وفي غيره لعل الله جل وعلا يكفيهم شر نزغات الشيطان .أما السفر إلى تلك البلاد التي فيها الكفر والضلال والحرية وانتشار الفساد من الزنى وشرب الخمر وأنواع الكفر والضلال – ففيه خطر عظيم على الرجل والمرأة , وكم من صالح سافر ورجع فاسدا , وكم من مسلم رجع كافرا , فخطر هذا السفر عظيم
وقال: وقد سافر كثير إليهم من أجل الدراسة أو السياحة أو العمل أو غير ذلك فرجعوا بشر عظيم وانحراف شديد وربما رجع بعضهم بغير دينه إلا من سلمه الله ورحمه وهم القليل
وقال: وقد نشأ عن ذلك شر كثير من الردة والتساهل بالمعاصي من الزنا وشرب الخمور وأعظم من ذلك ترك الصلوات , كما هو معلوم عند من سبر أحوال من يسافر للخارج إلا من رحم الله منهم وهم القليل.
وقال: لا شك أن سفر الطلبة فيه خطر عظيم سواء كانوا من أبناء المسلمين من الأساس أو من المسلمين الجدد , لا شك أن هذا أمر خطير يجب العناية به , والحذر من عاقبته الوخيمة , وقد كتبنا وحذرنا غير مرة من السفر إلى الخارج, وبينا أخطار ذلك.أ.هـ
وقال شيخنا ابن عثيمين في فتاوى نور على الدرب: لاشك أن السفر إلى بلاد الكفار خطر على الإنسان مهما كان في التقوى والالتزام والمحافظة.أ.هـ وقال في لقاء الباب المفتوح: السفر إلى بلاد كافرة أو بلاد منهمكة في المعاصي لا يجوز لأمور عدة: الأمر الأول: أن فيه إضاعةً للمال في قيمة التذاكر، وأجور الفنادق أو الشقق أو غير ذلك…ثانياً: أن فيه إضاعة الوقت؛ لأن غالب الذين يذهبون لهذه النزهات لا يذهبون إلى الدعوة إلى الخير، أو إلى تعليم الناس الجاهلين، بل ربما يذهبون لأشياء محرمة لا إشكال في تحريمها، فيكون في ذلك إضاعةً للوقت والمال. ثالثاً: أنه يخشى على عقيدة المرء، وعلى أخلاقه، وعلى عباداته، وعلى أهله إن كانوا معه.أ.هـ
وقال الشيخ صالح الفوزان في الإرشاد: ومن مظاهر موالاة الكفار السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس، والسفر إلى بلاد الكفار محرم إلا عند الضرورة -كالعلاج والتجارة والتعلم للتخصصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم- فيجوز بقدر الحاجة، وإذا انتهت الحاجة؛ وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين، ويشترط كذلك لجواز هذا السفر أن يكون مظهرا لدينه، معتزا بإسلامه، مبتعدا عن مواطن الشر، حذرا من دسائس الأعداء ومكائدهم، وكذلك يجوز السفر أو يجب إلى بلادهم إذا كان لأجل نشر الدعوة إلى الله ونشر الإسلام .أ.هـ
قال شيخنا ابن عثيمين: السفر إلى بلاد الكفار لا يجوز إلا بثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون عند الإنسان علم يدفع به الشبهات.
الشرط الثاني: أن يكون عنده دين يمنعه من الشهوات.
الشرط الثالث: أن يكون محتاجاً إلى ذلك.
فإن لم تتم هذه الشروط فإنه لا يجوز السفر إلى بلاد الكفار لما في ذلك من الفتنة أو خوف الفتنة وفيه إضاعة المال لأن الإنسان ينفق أموالاً كثيرة في هذه الأسفار.أ.هـ
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن كما في الدرر: وأما السؤال عمن يسافر إلى بلد المشركين، التي يعجز فيها عن إظهار ما وجب لله من التوحيد والدين، ويعلل بأنه لا يسلم عليهم ولا يجالسهم، ولا يبحثونه عن سره، وأنه يقصد التوصل إلى غير بلاد المشركين، ونحو ذلك من تعاليل الجاهلين، فاعلم: أن تحريم ذلك السفر قد اشتهر بين الأمة، وأفتى به جماهيرهم، وما ورد من الرخصة محمول على من يقدر على إظهار دينه، أو على من كان قبل الهجرة. ثم إن الحكم قد أنيط بالمجامعة والمساكنة، وإن لم يحصل سلام ولا مجالسة، ولا بحث عن سره، كما في حديث سمرة: “من جامع المشرك أو سكن معه، فإنه مثله” . فانظر ما علق به الحكم، من المساكنة والاجتماع، وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعلة، فإن وقع مع ذلك سلام ومجالسة، أو فتنة بالبحث عن عقيدته وسره، عظم الأمر، واشتد البلاء؛ وهذه محرمات مستقلة، يضاعف بها الإثم والعذاب، فكيف تروج عليكم هذه الشبهات؟ ولكم في طلب العلم سنوات، وخوف الفتنة أحد مقاصد الهجرة، وهو غير منتف مع هذه التعاليل .أ.هـ
وقال أبناء شيخ الإسلام، محمد بن عبد الوهاب كما في ” الدرر السنية “:وإظهار الدين تكفيرهم وعيب دينهم، والطعن عليهم، والبراءة منهم، والتحفظ من مودتهم والركون إليهم، واعتزالهم، وليس فعل الصلوات فقط إظهارا للدين، وقول القائل إنا نعتزلهم في الصلاة ولا نأكل ذبيحتهم حسن، لكن لا يكفي في إظهار الدين وحده بل لا بد مما ذكر .أ.هـ
وقال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى: والمراد التصريح باستمرار العداوة والبغضاء لمن لم يوحد ربه، فمن حقق ذلك علما وعملا، وصرح به حتى يعلمه منه أهل بلده، لم تجب عليه الهجرة من أي بلد كان، وأما من لم يكن كذلك، بل ظن أنه إذا ترك يصلي ويصوم ويحج، سقطت عنه الهجرة، فهذا جهل بالدين، وغفول عن زبدة رسالة المرسلين.أ.هـ
وقال الشيخ سليمان بن سحمان في الجواب الفائض:إن قولنا لا تجوز الإقامة والسفر إلى بلاد المشركين لمن لا يستطيع إظهار دينه، ولم يكن من الضعفاء المعذورين وهذا لا يعني كفر من فعل ذلك، وإنما هو آثم عاص، ولكن يلحق من أباح واستباح السفر والإقامة بدون قيد أو شرط فهذا كافر لإباحته ما حرم، الله، لا لمجرد السفر أو الإقامة عند الكفار. ا.هـ.وقال : ولا شك أن مخالطة الكفار ومعاشرتهم بغير نية دعوة، وصلابة عقيدة وسيلة من الوسائل المحرمة، والوسائل تتخذ حكم غاياتها، فأكثر المسافرين والمخالطين والمعاشرين لأهل الكفر هم من الغوغاء والعوام من المسلمين وغالبًا أن هؤلاء لا يعرفون ما أوجب الله عليهم من معاداة المشركين، ولا ما حرم الله ورسوله من موالاتهم، وأن منها ما يخرج من الملة ومنها ما هو دون ذلك.أ.هـ
و قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في فتاواه: إظهاره دينه ليس مجرد فعل الصلاة وسائر فروع الدين واجتناب محرماته من الربا وغير ذلك، إنما إظهار الدين مجاهرته بالتوحيد، والبراءة مما عليه المشركون من الشرك بالله في العبادة وغير ذلك من أنواع الكفر والضلال.أ.هـ
وإن مما يدل على تحريم السفر إلى بلاد الكفر والفساد ما يلي: ـ
1/ أن الله تعالى أمر بالهجرة من بلاد الكفر فقال تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا *) . قال ابن كثير رحمه الله :هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكناً من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالإجماع وبنص هذه الآية.أ.هـ وقال الطبري: فتخرجوا من أرضكم ودوركم , وتفارقوا من يمنعكم بها من الإيمان بالله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الأرض التي يمنعكم أهلها من سلطان أهل الشرك بالله , فتوحدوا الله فيها وتعبدوه.أ.هـ
وقال ابن سعدي: هذا الوعيد الشديد لمن ترك الهجرة مع قدرته عليها حتى مات، فإن الملائكة الذين يقبضون روحه يوبخونه بهذا التوبيخ العظيم.أ.هـ
فإذا كانت الهجرة مأموراً بها من بلاد الكفر، دل هذا على تحريم السفر إلى بلادهم من باب الأولى, إلا لحاجة تدعو إلى ذلك, كما بين أهل العلم.
والهجرة باقية ما قوتل الكفار فعن عبد الله بن السعدي قال : وفدنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فدخل أصحابي فقضى حاجتهم وكنت آخرهم دخولا فقال حاجتك فقلت يا رسول الله متى تنقطع الهجرة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار ) رواه النسائي وابن حبان.واحمد بلفظ (لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو)
2/ أن السفر إلى تلك البلاد يورث الإعجاب بما هم عليه والزهد بما عندنا وعيب حالنا وازدراء تعاليم ديننا. ومن ثم تقليد أهلها، والتأثر بما يرونه من عادات سيئة، وأخلاق رذيلة سواء كان ذلك في الأفكار، أو الأخلاق، أو الهدي الظاهر. وبالتالي رجوع هؤلاء السياح وهم يحملون هذه العادات والأخلاق من الكفار، ويدعون إليها قولاً وعملاً. ولذا ذهب الحياء عند كثير من المسلمين وتشبهوا بأهل الكفر والفساد.فاثر ذلك على مجتمعات المسلمين كما يشاهد ذلك في الانحرافات الواقعة في الاحتفالات والمهرجانات كالجنادرية وسوق عكاظ وما يسمى باليوم الوطني … من الاختلاط وموت الغيرة وذهاب الحياء والتهتك في اللباس.. وغير ذلك مما هو ظاهر شاهر, فكل هذا سببه الانفتاح على بلاد الكفر والإباحية.
3 / إن في السفر إلى بلاد الكفار تقوية لاقتصاد تلك الدول واستنزاف أموال كثيرة في مصالح غيرنا .وهو إعانة لهم وإسراف محرم لا مبرر له كما ينفق على تذاكر السفر وأجور الفنادق الباهظة ونحو ذلك قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)
4 / إضعاف الروح الإسلامية والعزة الدينية لدى المسافر لأن كثرة الإمساس تقلل الإحساس قال تعالى:( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)
5 / إضعاف عقيدة الولاء للمؤمنين والبراءة من الكفار ، وهي من أعظم أسس عقيدتنا ، قال تعالى : ( لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ..) الآية وقال تعالى:(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) وليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من الولاء والبراء بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده.كما قال العلماء.
6/ العودة بالأمة الإسلامية إلى الجاهلية الأولى بمسخ أبناء المسلمين من دينهم وأخلاقهم، فالمشاهد على بعض من يكثرون الذهاب إلى تلك البلاد أنهم يعاقرون المنكرات فيقاطعون الصلوات ويشربون المسكرات ويصادقون الكفار ويخالطون الماجنات.قال تعالى: ( وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) قال ابن جرير في تفسيره : وليست اليهود ، يا محمد ، ولا النصارى براضية عنك أبدا ، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم ، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق، وقال :(وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء) .قال ابن كثير في تفسيره: هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها، وما ذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم.أ.هـ
فما بالك إذا كان المسافر شابا ؟ ومعلوم سرعة تأثر الشباب. قال ابن القيم في الطرق الحكمية: فإن الشباب داع إلى الشهوة والشاب قد يستحي من أهله ومعارفه من قضاء وطره فإذا صار في دار الغربة زال ذلك الاستحياء والاحتشام وإذا كان عزبا كان أشد لشهوته وإذا كانت المرأة هي الطالبة كان أشد وإذا كانت جميلة كان أعظم.أ.هـ فقارن كلام هذا الإمام بحال شبابنا في بلاد الكفر والفساد.!!
7/ ما يكون من المداهنة لهم على كفرهم ومنكراتهم بلا وجه شرعي.ونحن مطالبون بجهادهم وقتالهم حتى يؤمنوا فالسفر إليهم بلا مبرر شرعي طمس لهذه الفريضة قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في الدرر:وترك ذلك على سبيل المداهنة، والمعاشرة، وحسن السلوك، ونحو ذلك مما يفعله بعض الجاهلين، أعظم ضرراً، وأكبر إثماً من تركه لمجرد الجهالة. فإن هذا الصنف، رأوا أن السلوك وحسن الخلق، ونيل المعيشة لا يحصل إلا بذلك، فخالفوا الرسل وأتباعهم، وخرجوا عن سبيلهم ومنهاجهم، لأنهم يرون العقل إرضاء الناس على طبقاتهم، ويسالمونهم، ويستجلبون مودتهم ومحبتهم؛ وهذا مع أنه لا سبيل إليه، فهو إيثار للحظوظ النفسانية والدعة، ومسالمة الناس وترك المعاداة في الله وتحمل الأذى في ذاته.وهذا في الحقيقة هو الهلكة في الآجلة، فما ذاق طعم الإيمان، من لم يوال في الله ويعاد فيه، فالعقل كل العقل، ما أوصل إلى رضى الله ورسوله، وهذا إنما يحصل بمراغمة أعداء الله، وإيثار مرضاته، والغضب إذا انتهكت محارمه. والغضب ينشأ من حياة القلب، وغيرته وتعظيمه، وإذا عدم الحياة والغيرة والتعظيم، وعدم الغضب والاشمئزاز، وسوى بين الخبيث والطيب في معاملته وموالاته ومعاداته، فأي خير يبقى في قلب هذا؟.أ.هـ
8 / رؤية وسماع المحرمات بدون سبب يبيح ذلك من ضرورة أو إكراه ونحوه.مع العجز عن الإنكار أما قول من قال أن سماع ومشاهدة المحرمات في هذه الحال ليس مقصودا فلا إثم ! فليس بصواب فقد قال القرطبي في تفسيره :..وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر، قال الله عز وجل: (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ). فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم، فحمل عليه الأدب وقرا هذه الآية (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) أي إن الرضا بالمعصية معصية، ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة المعاصي حتى يهلكوا.أ.هـ
وأما من يقول: نحن نذهب إلى الأرياف والقرى فيقال:حتى من يقصدون الأماكن الريفية والبعيدة عن الناس لا يسلمون من المحرمات… ثم على فرض خلو الأماكن الريفية من هذه المنكرات! ولن تخلو كما هو الواقع..فأنى لهم بالوصول إليها إلا مروراً بالمطارات التي ينتظرون فيها بالساعات الطويلة ويخالطون فيها الأنفاس الخبيثة وهي تعج بالمنكرات الظاهرة فلا يمكن الإفتاء بجواز السياحة في هذه الأماكن رعاية للدين والأخلاق…
9 / المسافر إلى بلاد الكفار يقع – ولا بد – في المولاة( الصغرى) بأي شكل من أشكالها كمحبتهم لأجل الدنيا ومجالستهم ومزاورتهم والدخول عليهم والبشاشة لهم والطلاقة واستئمانهم – وقد خونهم الله – ومصاحبتهم ومعاشرتهم والرضا بأعمالهم والتشبه بهم والتزيي بزيهم وذكر ما فيه تعظيم لهم كتسميتهم سادات فالمسافر إلى بلادهم لابد أن يقع من شيء من هذا مقل ومستكثر خصوصا مع الجهل بأهمية الولاء والبراء فهو يبش في وجوههم وربما سلم عليهم وفسح لهم الطريق وهذا النوع من المولاة قد ينقل المسلم إلى الموالاة الكبرى (المخرجة من الدين) التي هي التولي فتكون المحبة لأجل الدين والإعجاب بدينهم ونصرتهم.قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ )
يقول الشيخ سليمان بن سحمان في الجواب الفائض:إن السفر إلى بلاد المشركين من الوسائل التي تجر إلى مخالطتهم، وتمنع من إظهار الدين عندهم ويقع بسببها إظهار الموافقة لهم، والبشاشة واللين عند مقابلتهم، والرضا أو عدم المبالاة بأعمالهم، وهذا الأمر من أكبر الوسائل المفضية إلى مشاهدة المنكر والسكوت عنه، فالإثم لا يحصل بمجرد المخالطة وإكثار السفر والإقامة بينهم وإنما بالرضا والموافقة على كفرهم ويدخل فيه ما هو دون ذلك من الفجور وقول الزور والظلم والفسوق، وأنواع المعاصي فإن الرضا بأعمال الكفر كفر، والرضا بما دون الكفر كل بحسبه كذلك .أ.هـ
10 / الوقوع في بعض المحرمات التي لا بد منها للسفر للخارج كالتصوير.والعبث بالحجاب إما تركا أو تساهلا.ومعلوم أن المحرمات لا تبيحها إلا الضرورات وأي ضرورة في هذا؟!
11/استمراء الحرام والاعتياد عليه بل ربما مع الزمن يأنس به ويحبه وتألفه النفوس .قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)
12/من القواعد المقررة عند أهل الإسلام : قاعدة سد الذرائع قال. شيخ الإسلام في الفتاوى: كل فعل أفضى إلى المحرم كثيرا. كان سببا للشر والفساد، فإذا لم يكن فيه مصلحة راجحة شرعية، وكانت مفسدته راجحة، نهي عنه، بل كل سبب يفضي إلى الفساد نهي عنه إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة، فكيف بما كثر إفضاؤه إلى الفساد.أ.هـ قال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن في الدرر السنية: ولو أفتينا بتحريم السفر، رعاية لهذا الأصل فقط، وسداً لذرائعه المفضية، لكنا قد أخذنا بأصل أصيل، ومذهب جليل.أ.هـ
13/من القواعد المقررة: (درء المفاسد أولى من جلب المصالح) فإذا تعارضت مفسدة ومصلحة قدم دفع المفسدة غالباً لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات.فما بالك إذا تحققت المفسدة وتوهمت المصلحة كالسفر إلى بلاد الكفر والفساد لأجل السياحة والفرجة والمتعة .
14/ لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتعوذ من الفتن والفرار منها كما جاء ذلك في الصحاح.فما جواب من أجاز السياحة في بلاد الفساد والعري والعهر والخمور والمجون !؟ وأي فتنة أعظم من السفر إلى تلك البلاد!؟ فإذا لم يكن السفر إلى تلك البلاد الكافرة أو المتفسخة فتنة…فلا نعرف الفتنة.!
15/وخاتمتها وأعظمها أن السفر إلى بلاد الكفر يناقض مقاصد القرآن ومقاصد الشريعة فمن أعظم مقاصدهما بغض المشركين وعداوتهم
قال شيخنا عبدالله الغنيمان في شرحه لكتاب التوحيد: بغض أعداء الله من واجبات الإيمان، وليس بغضهم فقط هو بغض في النفس، بل بغضهم ومعاداتهم وإظهار ذلك لهم لابد منه، كما قال الله جل وعلا: {لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [المائدة:51] .ويقول جل وعلا: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة:22] .ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة:1] .
وفي آيات كثيرة جداً ينهى الله عز وجل عن موالاتهم، وعن مودتهم وعن توليهم، بل نهى عن الركون إليهم، وأن من ركن إليهم تمسه النار ولو قليلاً، بل نهى رسوله صلى الله عليه وسلم عن الركون إلى ذلك وتوعد عليه، وهذا أمر من لوازم الدين الإسلامي.
وكذلك المبادأة لهم بالعداوة، كما قال الله جل وعلا: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَه} [الممتحنة:4] .أ.هـ
قال ابن عاشور في تفسيره : وَلِهَذَا اشْتَرَطَ الْمُسْلِمُونَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْعَامَ الْقَابِلَ بِالسُّيُوفِ فِي قِرَابِهَا، وَالْمَقْصِدُ مِنْ هَذَا إِعْلَانُ عُذْرِ الْمُسْلِمِينَ فِي قِتَالِهِمُ الْمُشْرِكِينَ وَإِلْقَاءُ بُغْضِ الْمُشْرِكِينَ فِي قُلُوبِهِمْ حَتَّى يَكُونُوا عَلَى أَهُبَّةِ قِتَالِهِمْ وَالِانْتِقَامِ مِنْهُمْ بِصُدُورٍ حَرِجَةٍ حَنِقَةٍ.أ.هـ
وأنبه إلى مسألة مهمة وهي أنه إذا تقرر أن السفر إلى بلاد الكفر أو الفساد محرم ومعصية فإن جمهور العلماء على أن المسافر سفر معصية لا يترخّص برخص السفر.من جمع وقصر وفطر … قال النووي رحمه الله في شرح مسلم: ولا يجوز الترخص بشيء من رخص السفر لعاص بسفره.أ.هـ وجاء في الموسوعة الفقهية: اشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ – الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الرَّاجِحِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ – فِي السَّفَرِ الَّذِي تَتَغَيَّرُ بِهِ الأَْحْكَامُ أَلاَّ يَكُونَ الْمُسَافِرُ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ كَقَاطِعِ طَرِيقٍ وَنَاشِزَةٍ وَعَاقٍّ وَمُسَافِرٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ قَادِرٌ عَلَى وَفَائِهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ غَرِيمِهِ .إِذْ مَشْرُوعِيَّةُ التَّرَخُّصِ فِي السَّفَرِ لِلإِْعَانَةِ .وَالْعَاصِي لاَ يُعَانُ ؛ لأَِنَّ الرُّخَصَ لاَ تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي.أ.هـ
فالاحتياط في حق من سافر سفر معصية ألا يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء وألا يقصر الرباعية وألا يفطر في رمضان…
وختاما أسأل الله أن يعز دينه ويعلي كلمته ويصلح أحوال المسلمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

كتبه /د.عبد الرحمن بن صالح بن عثمان المزيني
المشرف العام على موقع رياض الإسلام
‏11 ‏صفر, ‏1434هـ
almuzaini.a@gmail.com