الجمع للمطر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده وبعد

فقد وقع لبس عند بعض أئمة المساجد وغيرهم _ اثر نزول الأمطار_ في الجمع بين الصلاتين لأجل المطر فمن قائل بالجمع ومن قائل بترك الجمع. ووقع الحرج عند بعض المصلين وكثرت الاتصالات على طلبة العلم في حينه للسؤال عن هذه المسألة من أجل الاستبراء للدين وهذا من علامات الخير في الأمة ولله الحمد .

و لأجل إزالة الحرج عن المسلمين فقد تكلمت في بعض دروسي في- مسجد طيبة-في محافظة الرس .عن هذه المسألة ولأجل عموم النفع تم تقييد تلك الكلمة مع زيادة مهمة رجاء النفع بها .فأقول مستعينا بالله وحده .

أولا / لا ريب أن هذا الدين يسر وهذه الشريعة سمحة.فقد ﭧ ﭨ {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} وقال تعالى{ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر }وقال تعالى ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) وقال تعالى ( يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ) وقال رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ)وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عندما بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا)

ومع هذا فلا يعني يسر الشريعة أن يتهاون المسلم بأحكامها ويقدم الهوى على الهدى قال تعالى: ( بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ) وقال تعالى (وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ) فالواجب الحذر من الهوى وسؤال الله الهدى .

ثانيا/ من المعلوم أن العلماء قد اختلفوا في حكم الجمع أصلا فالأحناف لايرون الجمع إلا في عرفة ومزدلفة ولا يصح عندهم الجمع في غير هذا مع أن الراجح هو قول الجماهير من العلماء وهو مشروعية الجمع في غير مزدلفة وعرفة كما دلت على ذلك النصوص الصحيحة التي لامعارض لها .

ثالثا / مما ينبغي أن يعلم أن من العلماء من أنكر الجمع لأجل المطر ونحوه كالظاهرية وغيرهم مع أن الصواب الذي لاريب فيه مشروعية الجمع للمطر قال في الروض المربع : ( و يباح الجمع بين العشاءين خاصة لمطر يبل الثياب وتوجد معه مشقة والثلج والبرد والجليد مثله ولوحل وريح شديدة باردة . لأنه صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة رواه النجاد بإسناده وفعله أبو بكر وعمر وعثمان ) .قال ابن قاسم في الحاشية : ( ومفهوم كلام الماتن أنه إن لم يبل الثياب لم يجز الجمع، وهو المذهب وعليه جمهور الأصحاب، وقال جمع: أو يبل النعل، أو البدن، لا الطل ولا المطر الخفيف الذي لا يبل الثياب، لعدم المشقة، قال شيخ الإسلام وذكر آثارا عن الصحابة في الجمع ليلة المطر فهذه الآثار تدل على أن الجمع للمطر من الأمر القديم، المعمول به بالمدينة زمن الصحابة والتابعين، مع أنه لم ينقل أن أحدا منهم أنكر ذلك، فعلم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ذلك ).

رابعا / قال شيخنا ابن عثيمين : يجب أن تعلم أن الأصل وجوب أداء الصلاة في وقتها، قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً ) وقد أجمع العلماء على أن تقديم الصلاة قبل وقتها بدون عذر شرعي حرام يقتضي عدم صحتها؛ لأن هذا خلاف ما أمر الله به، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) هذا هو الأصل، وهذا شيء محكم ليس فيه اشتباه… )

خامسا / ثبت في صحيح الإمام مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ في غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ مَطَرٍ. )و في حَدِيثِ وَكِيعٍ قَالَ قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ كي لاَ يُحْرِجَ أُمَّتَهُ). وَفِى حَدِيثِ أَبِى مُعَاوِيَةَ قِيلَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ مَا أَرَادَ إِلَى ذَلِكَ قَالَ أَرَادَ أَنْ لاَ يُحْرِجَ أُمَّتَهُ).

قال شيخنا ابن عثيمين : ومعنى (يحرج) أي: ألا يلحقها الحرج، فالحرج مرفوع في شريعتنا، فإذا كان في ترك الجمع حرج ومشقة على الناس إما لكون الأسواق وحلاً، أو لكون المطر ينزل يبلل الثياب ويؤذي الماشين، فهذا عذر، أما إذا كان ينزل قطرات يسيرة والجو دافئ والأسواق ليس فيها وحل، فلا تجمع ….. والعجيب الآن أنني أذكر أن الناس كانوا في السابق ليس هناك كهرباء والأسواق مظلمة ووحل وطين وليس هناك إسفلت، ومع ذلك كانوا لا يجمعون إلا لمشقةٍ شديدة، بحيث أن الإنسان لا يأتي إلى المسجد إلا ومعه عصا يتوكأ عليها، أو مطر وابل صيب، وهم أشد مشقة من الآن بكثير، الآن ولله الحمد غالب الأسواق مسفلتة ومضاءة، وليس هناك مشقة ولا حرج، فالتهاون في هذا غلط عظيم )

وقال رحمه الله: فنقول لمن جمع بين الظهر والعصر: هل أنت حين جمعت ترى أن الناس يلحقهم حرج ومشقة لو حضروا لصلاة العصر، أم لا؟ الغالب أنه لا يلحقهم، هذا هو الغالب، وقد قال العلماء رحمهم الله: لا يجوز الجمع للمطر، إلا لمطر يبل الثياب وبللها معناه: أنه لو عصرت الثياب لخرج منها المطر، ليس مجرد النقطة والنقطتين، إلا لمطر يبل الثياب، وتوجد معه مشقة احترازاً مما لو جاء المطر في أيام الصيف، أيام الصيف يفرح الواحد إذا جاء ثوبه ماء يبرده، ما فيه مشقة، لكنهم قالوا: لا بد من مطر يبل الثياب، وتوجد معه مشقة.

وقال عن المشقة: لكن لا عبرة بالرجل والرجلين من جماعة المسجد، يعني مثلاً: لو كانت المشقة تكون لرجل أو رجلين أو ما أشبه ذلك دون بقية الجماعة فلا عبرة بهؤلاء، العبرة بالأكثر، وهؤلاء الأقل إذا كان يشق عليهم أن يحضروا إلى المسجد في الصلاة الثانية فلهم الرخصة أن يصلوا في بيوتهم، كما جاء في الحديث: (الصلاة في الرحال).

قال الشيخ ابن إبراهيم رحمه الله :أما مطلق المطر فلا وكذلك إذا لم يوجد معه مشقة فلا أما ما ينشأ عنه من دحض أو برد فهذا شيء آخر)

قال ابن جبرين عافاه الله : الجمع بين الصلاتين يجوز للمطر الشديد المستمر الذي يبل الثياب ، سيما إذا كان في ليل والطرق مظلمة والبرد شديد والناس في ضيق لا يقدرون من قلة ذات اليد على التغلب على البرد ونحوه ، سيما إذا كان في الطرق طين ووحل ومزلة أقدام . وهذه هي الحالة التي كانوا يجمعون بين العشاءين فيها ، فأما إذا كانت الطرق واسعة مضيئة بالأنوار الكهربائية طوال الليل ، ومسفلتة ليس بها طين ولا وحل ولا مستنقعات فيها حمأ وقذر . والناس مع ذلك أقوياء أوعندهم وسائل النقل كالسيارات يقطعون بواسطتها المسافة الطويلة بدون مشقة . وعندهم مكافحة للبرد بالثياب المتينة الكثيرة . ثم المطر الخفيف أو يتوقف عادة بعد قليل فلا يشرع الجمع حينئذ، حيث أن الأوقات وردت محددة، فلا ينتقل بالصلاة عن وقتها إلا لدليل أو عارض راجح) .

وقالت اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز رحم الله الجميع: يرخص في الجمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم بأذان واحد وإقامة لكل منهما، من أجل المطر الذي يبل الثياب، ويحصل معه مشقة، من تكرار الذهاب إلى المسجد لصلاة العشاء، على الصحيح من قولي العلماء.

وكذا يجوز الجمع بينهما جمع تقديم للوحل الشديد، على الصحيح من أقوال العلماء، دفعا للحرج والمشقة، قال الله تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } وقال: { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } ) وقالت اللجنة أيضا : وبناءً على ذلك فالذين يسارعون إلى الجمع لمجرد وجود غيم، أو مطر خفيف لا يحصل منه مشقة، أو لحصول مطر سابق لم ينتج عنه وحلٌ في الطرق، فإنهم قد أخطئوا خطأً كبيراً، ولا تصح منهم الصلاة التي جمعوها إلى ما قبلها.أهـ كما أن التضييق على المسلمين مع وجود الحرج عليهم ممنوع شرعا . قال شيخنا ابن عثيمين : أما الذي فرط فهو الذي لا يعتبر هذا شيئاً يبيح الجمع؛ فتجده لا يجمع حتى وإن شق الحضور إلى المسجد مشقة كبيرة، فإنه لا يجمع، حتى لو قال له أهل المسجد: اجمع بنا، لا يجمع، وهذا غلط، يخشى على هذا أن يدخل في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه)

سادسا / إذا أشكل على الإمام هل يشرع الجمع في هذه الحالة أم لا فالأصل عدمه قال شيخنا ابن عثيمين : فأنت لديك نص محكم، وهو وجوب الصلاة في وقتها وعندك سبب مبيح للجمع، فإذا كنت لم تتيقن أن السبب صحيح شرعي فلا تجمع) .

سابعا / لو قدر أن الإمام لم يجمع لعدم المشقة ثم لما حان وقت الثانية وجد الحرج واشتد المطر فقد جاءت السنة بالصلاة في الرحال والبيوت ففي الصحيحين عن عبد الله بن الحارث قال : خطبنا ابن عباس في يوم ذي ردغ فأمر المؤذن لما بلغ حي على الصلاة قال قل الصلاة في الرحال فنظر بعضهم إلى بعض فكأنهم أنكروا فقال كأنكم أنكرتم هذا إن هذا فعله من هو خير مني يعني النبي صلى الله عليه و سلم إنها عزمة وإني كرهت أن أحرجكم وفي رواية أنه قال كرهت أن أؤثمكم فتجيئون تدوسون الطين إلى ركبكم ) وفي صحيح مسلم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ في يَوْمٍ مَطِيرٍ إِذَا قُلْتَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلاَ تَقُلْ حي عَلَى الصَّلاَةِ قُلْ صَلُّوا في بُيُوتِكُمْ – قَالَ – فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَاكَ فَقَالَ أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّى إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ وإني كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُوا في الطِّينِ وَالدَّحْضِ. وفيه أيضا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلاَةِ في لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ فَقَالَ أَلاَ صَلُّوا في الرِّحَالِ. ثُمَّ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ يَقُولُ: أَلاَ صَلُّوا في الرِّحَالِ ).و عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ رِيحٍ وَبَرْدٍ فِي سَفَرٍ أَمَرَ الْمُؤذنَ فَأَذَنَ ثُمَّ قَالَ الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ )

ثامنا / قد يختلف الحكم من مكان لآخر ومن مسجد لآخر حسب وجود المشقة ولهذا لا يعني كون المسجد الفلاني جمع أن غيره يجمع لأن المشقة قد تختلف من مكان لآخر فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما.

تاسعا / من الألفاظ الشائعة بهذه المناسبة قول بعضهم (نحن نعرف أن الناس ليس عليهم.اليوم مشقة ولكن نطبق السنة) أو نحوها.وهذا يدل على عدم الفقه وإلا فمن أين لهم أن السنة الجمع لمجرد المطر وعدم المشقة.

عاشرا / لا يصح أن تكون المساجد مجالا للجدال ورفع الأصوات .والواجب على الأئمة الفقه في الدين وخاصة ما يعرض لهم من مسائل ونوازل حتى لا تقع الفوضى في المساجد التي لم تبنى لهذا.

*وخلاصة القول في هذه المسألة مشروعية الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء لأجل المطر ونحوه ولكن ذلك مشروط بوجود المشقة و الحرج .فيلزم الأئمة الجمع لرفع الحرج عن المسلمين .وإذا لم يكن ثم حرج ولا مشقة فلا يشرع حينئذ الجمع لأن الأصل أداء الصلاة في أوقاتها والله أعلم.

هذا ما أحببت جمعه من كلام أهل العلم.وأسأل الله أن ينفع به. اللَّهُمَّ إِنِّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى. اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِا لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

محافظة الرس

فجر يوم الخميس20ربيع الآخر1430هـ