النعي الجاهلي المعاصر

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام ما يدل على أن أشياء من أمور الجاهلية ستبقى ويتوارثها الناس عبر الأجيال…إما جهلا أو غفلة أو تقليدا ومسايرة للآخرين بعيدا عن تعظيم النص..قال تعالى:(ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ )
ومن هذا ما تفاقم أمره وعظم شره من الوقوع في النعي الجاهلي حتى صار معهودا عند موت العظماء والمشاهير أومن يرتبط بهم من العامة أن تعج وسائل التواصل والإعلام بالنعي والإطراء والمبالغة في المديح وتكلف ذكر المناقب والأيادي ونشر الصور… وصرنا نسمع عبارات الثناء على الميت والناس وقوف للصلاة عليه وعند دفنه, بل ربما تخصص خطبة الجمعة القريبة من المصيبة للحديث عن الميت وذكر أعماله ومآثره حتى يصبح – بين عشية وضحاها- معروفا يتحدث عنه الناس في جميع القارات السبع,ويا لله كم من كاذب ومبالغ ومهيج بل لقد سمعنا بعض العبارات الشركية… وكأنهم يستمطرون العواطف ويسترحمون العباد…. متجاهلين ما ورد من النهي. فمن ذلك ما أخرج الترمذي عن حذيفةبن اليمان قال : (إذا مت فلا تؤذنوا بي إني أخاف أن يكون نعيا فإني سمعترسول الله صلى الله عليه و سلم ينهى عن النعي )وقال: هذا حديث حسنصحيح.
والمقصود النهي عن ما كان عليه أهل الجاهلية مما يكون فيه إشهار للميت وإطراء له وذكر لمحاسنه… قَال الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: النَّعْيُ لَيْسَمَمْنُوعًا كُلُّهُ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَمَّا كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ يَصْنَعُونَهُ.أ.هـ
وقد تطور اليوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.. وصار الأمر أشد مما كان يفعله أهل الجاهلية, والحامل لهولاء إما جهل بالحكم الشرعي أو جهل بالمآلات والعواقب أو حب الشهرة والظهور على أكتاف العظماء ,فالنهي عنه أولى والتحريم أوكد.
قال النووي في المجموع: (والصحيح) الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحةالتي ذكرناها وغيرها أن الإعلام بموته لمن لم يعلم ليس بمكروه بل إن قصد بهالإخبار لكثرة المصلين فهو مستحب وإنما يكره ذكر المآثر والمفاخر والتطوافبين الناس يذكره بهذه الأشياء وهذا نعي الجاهلية المنهي عنه فقد صحتالأحاديث بالإعلام فلا يجوز إلغاؤها.أ.هـ
وقال العيني في عمدة القاري:وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن النعي الْمنْهِي عَنهُ إِنَّمَا هُوَنعي الْجَاهِلِيَّة، قَالَ: وَكَانَت عَادَتهم إِذا مَاتَ مِنْهُم شرِيف بعثوا رَاكِبًا إِلَىالْقَبَائِل يَقُول: نعا يَا فلَان، أَو: يَا نعاء الْعَرَب، أَي: هَلَكت الْعَرَب بِهَلَاك فلَان.أ.هـ
وَقَال ابْنُ مُفْلِحٍ: وَلاَ يُسْتَحَبُّ النَّعْيُ، وَهُوَ النِّدَاءُ بِمَوْتِهِ بَل يُكْرَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُوَقَال: لاَ يُعْجِبُنِي، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: يُكْرَهُ إِعْلاَمُ غَيْرِ قَرِيبٍ أَوْ صَدِيقٍ. وَنَقَلحَنْبَلٌ عَنْهُ: أَوْ جَارٍ، وَعَنْهُ: أَوْ أَهْل دِينٍ.أ.هـ
قال في الإنصاف: وَمِنْهَا: مَا هَيَّجَ الْمُصِيبَةَ، مِنْ وَعْظٍ، أَوْ إنْشَادِ شِعْرٍ فَمِنْالنِّيَاحَةِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَمَعنَاه لِابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ.أ.هـ
قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: مِنْ هَدْيِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تَرْكُ النَّعْيِ، وَقَدْ نَهَى عَنْهُ، وَهُوَمِنْ عَمَل الْجَاهِلِيَّةِ.أ.هـ
قال الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍقَال: قُلْتُ لإِِبْرَاهِيمَ: أَكَانُوا يَكْرَهُونَ النَّعْيَ؟ قَال نَعَمْ قَال ابْنُ عَوْنٍ: كَانُوا إِذَاتُوُفِّيَ الرَّجُل رَكِبَ رَجُلٌ دَابَّةً ثُمَّ صَاحَ فِي النَّاسِ: أَنْعِي فُلاَنًا.أ.هـ
أما الرثاء فقد جَاءَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِتَرْثِيَةِ الْمَيِّتِبِشِعْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَكِنْ يُكْرَهُ الإِْفْرَاطُ فِي مَدْحِهِ لاَ سِيَّمَا عِنْدَ جِنَازَتِهِ.أ.هـ
وليعلم أن من حِكَم النهي عن النعي , أنه يوحي بعدم الرضى… فإن السُّخْطَعَلَى مَوْتِ الْمَنْعِيِّ يُشْبِهُ التَّظَلُّمَ مِنَ الظَّالِمِ، وَحُكْمُ الْمَوْتِ عَلَى الْعِبَادِ عَدْلٌ مِنَ اللَّهِتَعَالَى لأَِنَّ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي خَلْقِهِ بِمَا شَاءَ، لأَِنَّهُمْ مِلْكُهُ وإلا فلو رضي العبد بالمصيبة لما تظلم واشتكى وناح. قال القرافي في الفروق:..إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْصِفَاتِ الْمَيِّتِ الَّتِي يَقْتَضِي مِثْلُهَا أَنْ لَا يَمُوتَ فَإِنَّ بِمَوْتِهِ تَنْقَطِعُ هَذِهِ الْمَصَالِحُوَيَعِزُّ وُجُودُ مِثْلِ الْمَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَيَعْظُمُ التَّفَجُّعُ عَلَى فَقْدِ مِثْلِهِ وَأَنَّالْحِكْمَةَ كَانَتْ تَقْتَضِي بَقَاءَهُ وَتَطْوِيلَ عُمْرِهِ لِتَكْثِيرِ تِلْكَ الْمَصَالِحِ فِي الْعِلْمِ فَمَتَىكَانَ لَفْظُهَا مُشْتَمِلًا عَلَى هَذَا كَانَ حَرَامًا وَهَذَا أَشَرُّ النُّوَاحِ وَتَارَةً لَا تَصِلُ إلَىهَذِهِ الْغَايَةِ غَيْرَ أَنَّهُ تَبْعُدُ السَّلْوَةُ عَنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَتَهِيجُ الْأَسَفَ عَلَيْهِمْ فَيُؤَدِّيذَلِكَ إلَى تَعْذِيبِ نُفُوسِهِمْ وَقِلَّةِ صَبْرِهِمْ وَضَجَرِهِمْ، وَرُبَّمَا بَعَثَهُمْ ذَلِكَ عَلَىالْقُنُوطِ وَشَقِّ الْجُيُوبِ وَضَرْبِ الْخُدُودِ فَهَذَا أَيْضًا حَرَامٌ.أ.هـ
وأما ما جاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه (نعىالنجاشي للناس في اليوم الذي مات..) فهو إخبار لأجل الصلاة عليه وهذا جائز .
وما جاء فيه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلمنَعَى جَعْفَرًا وَزَيْدًا قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ خَبَرُهُمْ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَان.فهذا إخبار في مجلس ليس إعلاما ونشرا وندبا والفرق ظاهر لمن له عينان.
فالواجب على الجميع تقوى الله والحذر من أسباب غضبه والوقوف عند النص وليسعنا ما وسع السلف الصالح فإنهم عن علم وقفوا وببصر ناقد كفوا. أسأل الله الكريم أن يشرح صدورنا للحق ويلهمنا رشدنا والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله .

.

.

جمعها/ عبد الرحمن بن صالح بن عثمان المزيني
المشرف العام على موقع رياض الإسلام
almuzaini.a@gmail.com
‏15 ‏جمادى الثانية, ‏1438هـ