يا حامل القرآن

يا حامل القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم

بَدَأْتُ بِبِسْمِ اْللهُ فيِ النَّظْمِ أوَّلاَ  *** بَارَكَ رَحْمَاناً رَحِيماً وَمَوْئِلاَ
وَثَنَّيْتُ صَلَّى اللهُ رَبِّي عَلَى الِرَّضَا  *** مُحَمَّدٍ الْمُهْدى إلَى النَّاسِ مُرْسَلاَ
وَعِتْرَتِهِ ثُمَ الصَّحَابَةِ ثُمّ مَنْ  *** تَلاَهُمْ عَلَى اْلإِحْسَانِ بِالخَيْرِ وُبَّلاَ
وَثَلَّثْتُ أنَّ اْلَحَمْدَ لِلهِ دائِماً  *** وَمَا لَيْسَ مَبْدُوءًا بِهِ أجْذَمُ الْعَلاَ
وَبَعْدُ فَحَبْلُ اللهِ فِينَا كِتَابُهُ *** فَجَاهِدْ بِهِ حِبْلَ الْعِدَا مُتَحَبِّلاَ
وَإِنَّ كِتَابَ اللهِ أَوْثَقُ شَافِعٍ  *** وَأَغْنى غَنَاءً وَاهِباً مُتَفَضِّلاَ
وَخَيْرُ جَلِيسٍ لاَ يُمَلُّ حَدِيثُهُ  *** وَتَرْدَادُهُ يَزْدَادُ فِيهِ تَجَمُّلاً

وبعد فقد أثلج صدورنا – ما نسمع كل حين في بلادنا وغيرها عن – تلك الجموع التي تتخرج من حفظة كتاب الله من الذكور والإناث فنحمد الله على فضله.وتكريما وتقديرا .أبعث بهذه التوجيهات إلى تلك الكوكبة المضيئة من الحفاظ والحافظات في زمن كثرت فيه الفتن والصوارف . فأقول سائلا الله النفع والقبول:-
أولا: يا حافظ القرآن هنيئا لك ولوالديك ولمشايخك.(يقال لصاحب القرآن يوم القيامة : اقرأ و ارقه ، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها)صححه ابن حبان والحاكم والذهبي والألباني وفي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهْوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ)وفي البخاري قال صلى الله عليه وسلم:( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ)
ثانيا: احمد الله فله الحمد والفضل فهو الموفق.(..وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ…).(الأعراف43)
ثالثا: اشكر لأهل الفضل فضلهم والهج بالدعاء لهم.- والداك معلمك ..- قال صلى الله عليه و سلم (من لا يشكر الناس لا يشكر الله)قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وصححه الألباني. وقال صلى الله عليه وسلم:( من أهدى إليكم فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى ترون أن قد كافأتموه) قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.فجزى الله خيرا كل من كان له علينا فضلا.
رابعا : احذر أن يداخلك الرياء قال تعالى:(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (هود16) وفي البخاري قال صلى الله عليه وسلم: مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وفي رواية قال:مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ) واعلم أن المرائي مع أول من تسعر بهم النار يوم القيامة).
خامسا : احذر تفلت القرآن من صدرك وأدم المراجعة ففي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم:( تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا).واحذر مكائد الشيطان والملل والهوى والمشاغل .وإن وقع نسيان فلا تستسلم وتيئس واستعن بالله.
سادسا : من أهم ما يجب عليك تدبر وفهم مراد الله فأدم مطالعة كتب التفسير ومن أخصرها وأنفعها(تيسير الكريم الرحمن..لابن سعدي)قال تعالى:(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)( ص29) وفي التبيان للنووي: عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل ويتفقدونها في النهار.
سابعا  : أدعوك إلى مجالس العلم في المساجد فقد حصلت -بحفظ القرآن- على مفتاح العلم.قال تعالى:(بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ) (العنكبوت49) وقال سبحانه:(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير)(11المجادلة) وقال صلى الله عليه وسلم:(ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة)رواه مسلم.قال الألبيري يحث ابنه على العلم:

أبا بكر دعوتك لو أجبتا *** إلى ما فيه حظك لو عقلتا
إلى علم تكون به إماما *** مطاعا إن نهيت وإن أمرتا
وتجلو ما بعينك من عشاها *** وتهديك السبيل إذا ضللتا
وتحمل منه في ناديك تاجا *** ويكسوك الجمال إذا اعتريتا
ينالك نفعه ما دمت حيا *** ويبقى ذخره لك إن ذهبتا
هو العضب المهند ليس ينبو *** تصيب به مقاتل من أردتا
وكنز لا تخاف عليه لصا *** خفيف الحمل يوجد حيث كنتا
يزيد بكثرة الإنفاق منه *** وينقص أن به كفا شددتا
فلو قد ذقت من حلواه طعما *** لآثرت  التعلم واجتهدتا

ثامنا : احذر ثم احذر  خوارم المروءة وسفساف الأخلاق فإن ما يحتمل من غيرك ربما لا يحتمل منك فالواجب على حافظ القرآن أن يترفع عن ما لا يليق به من مجالس لاهية أو ملابس لافتة أو مشاركة في فرق ترفيهية هزلية,أو تشجيع لأندية رياضية. قال الفضيل رحمه الله : حامل القرآن حامل راية الإسلام ، ينبغي أن لا يلهو مع من يلهو ولا يسهو مع من يسهو ، ولا يلغو مع من يلغو ، تعظيما لحق القرآن ، وليحذر أن يتخذ القرآن معيشة يكتسب بها.وقال القرطبي في تفسيره: فيجب على حامل القرآن وطالب العلم أن يتقي الله في نفسه ويخلص العمل لله، فإن كان تقدم له شي مما يكره فليبادر التوبة والإنابة، وليبتدئ الإخلاص في الطلب. عمله. فالذي يلزم حامل القرآن من التحفظ أكثر مما يلزم غيره، كما أن له من الأجر ما ليس لغيره.أ.هـ وفي فضائل القرآن لابن كثير رحمه الله:عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من قرأ القرآن فكأنما استدرجت النبوة بين جنبيه، غير أنه لا يوحى إليه, ومن قرأ القرآن فرأى أن أحدًا أُعْطِيَ أفضل مما أُعْطِيَ، فقد عظَّم ما صغَّر الله وصغَّر ما عظَّم الله، وليس ينبغي لحامل القرآن أن يسفِّه فيمن يسفِّه، أو يغضب فيمن يغضب، أو يحتدَّ فيمن يحتدُّ، ولكن يعفو ويصفح لفضل القرآن”..أ.هـ
تاسعا : لاتنس قيام الليل. فقد قيل بوجوبه على أهل القرآن لقوله صلى الله عليه وسلم : يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر)رواه ابو دوود وصححه ابن خزيمة، وحسنه الترمذي. وأخرج ابن أبي شيبة:عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس مفطرون وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس يضحكون وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون وينبغي لحامل القرآن أن لا يكون صخابا ولا صياحا ولا حديدا.أ.هـ واعلم أن القيام بالقرآن في الليل من أعون ما يكون على ضبطه: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) (المزمل6)
عاشرا : وقد ختمت كتاب الله حفظا وضبطا فليست هذه النهاية.قال ابن الجوزي في التلبيس:ولو تفكروا لعلموا أن المراد حفظ القرآن وتقويم ألفاظه ثم فهمه ثم العمل به ثم الإقبال على ما يصلح النفس ويطهر أخلاقها ثم التشاغل بالمهم من علوم الشرع ومن الغبن الفاحش تضييع الزمان فيما غيره الأهم.أ.هـ واعلم أن أمامك وظائف شريفة لا تصلح للبطالين اللاهين. بل أنت خليق بها وأهل. إمامة المسلمين في المساجد والقيام على حلق تحفيظ القران الكريم.وتعليمه وتلقينه فبهذا تنال الخيرية.

وَآخِرُ دَعْوَانَا بِتَوْفِيقِ رَبِّنَا *** أَنِ الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي وَحْدَهُ عَلاَ
وَبَعْدُ صَلاَةُ اللهِ ثُمَّ سَلاَمُهُ *** عَلَى سَيِّدِ الْخَلْقِ الرضَا مُتَنَخِّلاَ

 أخوكم / د.عبد الرحمن بن صالح بن عثمان المزيني
المشرف العام على موقع رياض الإسلام
فجر الثلاثاء26/3/1432هـ
 almuzaini.a@gmail.com