من بطون الكتب2

4/  فصل  إذا تقرر هذا فقد اختلف الناس في ولدان المشركين على أقوال ( أحدها ) أنهم في الجنة واحتجوا بحديث سمرة أنه عليه السلام رأى مع إبراهيم عليه السلام أولاد المسلمين وأولاد المشركين وبما تقدم في رواية أحمد عن حسناء عن عمها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ والمولود في الجنة ] وهذا استدلال صحيح ولكن أحاديث الامتحان أخص منه فمن علم الله منه أنه يطيع جعل روحه في البرزخ مع إبراهيم وأولاد المسلمين الذين ماتوا على الفطرة ومن علم منه أنه لا يجيب فأمره إلى الله تعالى يوم القيامة يكون في النار كما دلت عليه أحاديث الامتحان ونقله الأشعري عن أهل السنة ثم إن هؤلاء القائلين بأنهم في الجنة منهم من جعلهم مستقلين فيها ومنهم من جعلهم خدما لهم كما جاء في حديث علي بن زيد عن أنس عند أبي داود الطيالسي وهو ضعيف والله أعلم( والقول الثاني ) أنهم مع آبائهم في النار واستدل عليه بما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي المغيرة حدثنا عتبة بن ضمرة بن حبيب حدثني عبد الله بن أبي قيس مولى غطيف أنه أتى عائشة فسألها عن ذراري الكفار فقال : [ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هم تبع لآبائهم فقلت : يارسول الله بلا أعمال ؟ قال:: الله أعلم بما كانوا عاملين ] وأخرجه أبو داود من حديث محمد بن حرب عن محمد بن زياد الألهاني سمعت عبد الله بن أبي قيس سمعت عائشة تقول : [ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذراري المؤمنين قال : هم مع آبائهم قلت : فذراري المشركين ؟ قال: هم مع آبائهم فقلت بلا عمل ؟ قال : الله أعلم بما كانوا عاملين ] ورواه أحمد أيضا عن وكيع عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل وهو متروك عن مولاته بهية عن عائشة أنها ذكرت أطفال المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : [ إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار ]


وروى عبد الله بن الإمام أحمد : حدثنا عثمان بن أبي شيبة عن محمد بن فضيل بن غزوان عن محمد بن عثمان عن زاذان عن علي رضي الله عنه قال : [ سألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ولدين لها ماتا في الجاهلية فقال : هما في النار قال : فلما رأى الكراهية في وجهها فقال لها : لو رأيت مكانهما لأبغضتهما قال : فولدي منك ؟ قال : إن المؤمنين وأولادهم في الجنة وإن المشركين وأولادهم في النار ـ ثم قرأ ـ { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم } ] وهذا حديث غريب فإن في إسناده محمد بن عثمان مجهول الحال وشيخه زاذان لم يدرك عليا والله أعلم


وروى أبو داود من حديث ابن أبي زائدة عن أبيه عن الشعبي قال : [ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الوائدة والموؤودة في النار ] ثم قال الشعبي : حدثني به علقمة عن أبي وائل عن ابن مسعود وقد رواه جماعة عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن سلمة بن قيس الأشجعي قال : أتيت أنا وأخي النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا : [ إن أمنا ماتت في الجاهلية وكانت تقري الضيف وتصل الرحم وإنها وأدت أختا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث فقال : الوائدة الموءودة في النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم ] وهذا إسناد حسن( والقول الثالث ) التوقف فيهم واعتمدوا على قوله صلى الله عليه وسلم : [ الله أعلم بما كانوا عاملين ] وهو في الصحيحين من حديث جعفر بن أبي إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين قال : [ الله أعلم بما كانوا عاملين ] وكذلك هو في الصحيحين من حديث الزهري عن عطاء بن يزيد وعن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أطفال المشركين فقال : [ الله أعلم بما كانوا عاملين ] ومنهم من جعلهم من أهل الأعراف وهذا القول يرجع إلى قول من ذهب إلى أنهم من أهل الجنة لأن الأعراف ليس دار قرار ومآل أهلها الجنة كما تقدم تقرير ذلك في سورة الأعراف والله أعلم


( فصل ) وليعلم أن هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء كما حكاه القاضي أبو يعلى بن الفراء الحنبلي عن الإمام أحمد أنه قال : لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة وهذا هو المشهور بين الناس وهو الذي نقطع به إن شاء الله عز وجل فأما ما ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن بعض العلماء أنهم توقفوا في ذلك وأن الولدان كلهم تحت المشيئة قال أبو عمر : ذهب إلى هذا القول جماعة من أهل الفقه والحديث منهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم قالوا : وهو يشبه ما رسم مالك في موطئه في أبواب القدر وما أورده من الأحاديث في ذلك وعلى ذلك أكثر أصحابه وليس عن مالك فيه شيء منصوص إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال المشركين خاصة في المشيئة انتهى كلامه وهو غريب جدا وقد ذكر أبو عبد الله القرطبي في كتاب التذكرة نحو ذلك أيضا والله أعلم


وقد ذكروا في ذلك أيضا حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت : [ دعي النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت : يا رسول الله طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه فقال : أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم ] رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه


ولما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى دلائل صحيحة جيدة وقد يتكلم فيها من لا علم عنده عن الشارع كره جماعة من العلماء الكلام فيها روي ذلك عن ابن عباس والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ومحمد بن الحنفية وغيرهم وأخرج ابن حبان في صحيحه عن جرير بن حازم : سمعت أبا رجاء العطاردي سمعت ابن عباس رضي الله عنهما وهو على المنبر يقول : [ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا أو مقاربا ما لم يتكلموا في الوالدان والقدر ] قال ابن حبان : يعني أطفال المشركين وهكذا رواه أبو بكر البزار من طريق جرير بن حازم ثم قال : وقد رواه جماعة عن أبي رجاء عن ابن عباس موقوفا. تفسير ابن كثير 3-41


 


تتبع البقية…