مرور الأيام

 الخطبة الأولى
أما بعد فيقول الله تعالي:(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا * وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا *اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) وقال تعالي (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ * إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ)وقال تعالي: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) 
عباد الله نشاهد تسارع الليالي والأيام بل الشهور والأعوام وتصرم الأعمار.فأين الآباء والأمهات أين الأخوة والأخوات أين الصغار والكبار  أين هم الآن.؟  
أفناهم الموت واستقبال بعدهم** حيا فما أقرب القاضي من الداني 
  لا تطمئن إلى الدنيا و بهجتها … و إن توشحت من أثوابها الحسنا  
   أين الأحبة و الجيران ما فعلوا … أين الذين همو كانوا لنا سكنا  
  سقاهم الموت كأسا غير صافية … فصيرتهم لأطباق الثرى رهنا  
عباد الله   بنا الليالي والأيام وهي مطايا تسير بنا إلي الدار الاخره تمر بنا مواسم الطاعات لتذكرنا بحق الله علينا ونحن في غفلة .عبد الله!! كم موسم من مواسم الخيرات مر بك وأنت علي تقصيرك؟ كم سنه قطعت من عمرك ولم تحدث بها توبه ورجوعا إلي الله ؟ إن خير عباد الله من طال عمره وحسن عمله وإن شرعباد الله من طال عمره وساء عمله 
قال تعالي (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا) لقد حكم الله في هذه السوره العظيمة بالخسارة علي كل إنسان. إلا من تحقق به ما اشترط في هذه السورة  من سبل الفوز والنجاة  فعلينا أن نعرض  أنفسنا علي هذة السورة فهي ميزان يزن الإنسان بها نفسه فيعلم هل هو من الرابحين أم من  الخاسرين. 
عباد الله  كان السلف رحمة الله عليهم يستحيون من الله أن يكون الواحد منهم  اليوم علي مثل حاله بالأمس فهم لا يرضون إلا بالزيادة من الخير فكيف نرضي بالدنية في ديننا ولا نستغل أعمارنا في طاعة الله.
 أليس من الخسران أن لياليا **تمر بلا نفع وتحسب من عمري
 لقد كان بعض السلف يتحسرون من الموت ولا يريدونه. لأنه انقطاع عما ألفوه من الأعمال ألصالحه التي هي قرة عيونهم وأنس نفوسهم فقد قيل لأحدهم: وهو شيخ كبير تحب الموت؟ قال: لا, فقيل ولم ؟ قال ذهب الشباب وشره وجاء الكبر وخيره فإذا أنا قمت قلت بسم الله وإذا أنا جلست قلت الحمد الله فأنا أحب أن يبقي لي هذا. وقيل لأخر ما بقي مما تحب له الحياة قال البكاء علي الذنوب. وبكي معاذ رضي الله عنه عند موته وقال: إنما أبكي علي ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر . وقال أخر أبكي علي ما يفوتني من قيام الليل وصيام النهار. وبكي يزيد الرقاشي عند موته وقال: أبكي علي ما يفوتني من قيام الليل وصيام النهار ثم بكي وقال:من يصلي لك يا يزيد بعدك؟ ومن يصوم لك يا يزيد؟ ومن يتقرب لك بالأعمال الصالحة ؟ومن يتوب لك من الذنوب السالفة؟ .وقال أخر: إنما ابكي علي إن يصوم الصائمون ولست فيهم ويصلي المصلون ولست فيهم ويذكر الله الذاكرون ولست فيهم فذلك الذي أبكاني.
قال بعضهم: ندمت علي ماكان مني ندامة      ********  ومن يتبع ما تشتهي النفس يندم
            الم تعلموا أن الحساب أمامكم        ********  وأن وراءكم طالبا ليس يسأم 
            فخافوا لكي تأمنوا بعد موتكم         ********* ستلقون ربا عادلا ليس يظلم 
            فليس لمغرور بدنياه راحة          ********* سيندم إن زلت به النعل فاعلموا
عباد الله  لقد جاء عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قوله: ( أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً.)وفي الترمذي ( أعمار أمتي ما بين ستين إلى سبعين وأقلهم من يجوز ذلك ) فيأهل الستين وما بعدها أنتم علي معترك المنايا قد أشرفتم  يا من بلغتم الخمسين قد انتصفت المائة وما أنصفتم من أنفسكم يا من بلغتم الأربعين قد ذهب الشباب وولى يا من بلغتم الثلاثين استغلوا شبابكم في طاعة ربكم يا أهل العشرين كم من أقرانكم قد ماتوا  وخلفوكم وأنتم لهم بالأثر.
وإذا تكامل للفتي من عمره         0000        خمسون وهو إلي التقي لم يجنح 
عكفت عليه المخزيات فماله       0000        متأخر عنها ولا متزحزح
وإذا رأي الشيطان غرة وجهه     0000        حيا وقال فديت من لا يفلح
قال الفضيل لرجل كم مضى عليك ؟ قال ستون سنه.  قال له أنت منذ ستين سنه تسير إلي ربك يوشك أن تصل .فيا من يفرح بكثرة مرور السنين. إنما تفرح بنقص عمرك  وقرب رحيلك.قال أبو الدرداء والحسن رضي الله عنهما إنما أنت أيام كلما مضي منك يوم مضي بعضك. قال بعض الحكماء :من كانت الليالي والأيام مطاياه سارتا به وإن لم يسر .
إنا لنفرح بالأيام نقطعها          0000    وكل يوم مضي يدني من الأجل 
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا 000   فإنما الربح والخسران في العمل 
قال الحسن الموت معقود بنواصيكم والدنيا تطوى من ورائكم وهي مراحل .
نسير إلي الآجال في كل لحظه 0000     وأعمارنا تطوي وهن مراحل 
ترحل من الدنيا بزاد من التقي 0000     فعمرك أيام وهن قلائل 
وما هذه الأيام إلا مراحل   0000  يحث بها حاد إلي الموت قاصد 
وأعجب شئ لو تأملت       0000 أنها مراحل تطوي والمسافر قاعد
يا من تمر عليه السنة بعد السنة وهو مفرط في الطاعات ويمر عليه العام بعد العام وقد غرق في بحر الخطايا والآثام.عليك بالعودة إلي نفسك ومحاسبتها قبل أن نحاسب . ألزمها تقوى الله والعمل بمرضاته فإنك لا تدري متى يحل بك هادم اللذات ومفرق الجماعات 
 الموتُ بابٌ وكُلُّ الناسِ داخلُه … فليتَ شعريَ بعد الباب ما الدَّار
كل ابن أنثي وان طالت سلامته 0000 يوما علي آلة حدباء محمول 
(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)وقال تعالي 🙁 سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)
قال أبو بكر رضي الله عنه: إنكم تغدون وتروحون إلي اجل قد غيب عنكم علمه  فإن استطعتم  إن لا يمضي هذا الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا ) وقال عمر بن الخطاب :يأيها الناس حاسبو ا أنفسكم قبل إن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل إن توزنوا وتأهبوا للعرض الأكبر علي الله (يومئذ تعرضون لا تخفي منكم خافيه ) أيها الناس : قد آن للنائم أن يستيقظ من نومه و حان للغافل أن يتنبه من غفلته قبل هجوم الموت بمرارة كأسه و قبل سكون حركاته و جمود أنفاسه و رحلته إلى قبره و مقامه بين أرماسه . كتب عمر بن عبد العزيز إلى أناس من أصحابه يوصيهم فكان فيما أوصاهم به أن قال : أما بعد : فإني أوصيكم بتقوى الله العظيم و المراقبة له و اتخذوا التقوى و الورع زادا فإنكم في دار عما قريب تنقلب بأهلها و الله في عرصات القيامة و أهوالها يسألكم عن الفتيل و النقير فالله الله عباد الله اذكروا الموت الذي لا بد منه و اسمعوا قول الله تعالى : (كل نفس ذائقة الموت) و قوله عز و جل ):كل من عليها فان ) و قوله عز و جل : (فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم و أدبارهم ) فقد بلغني ـ و الله أعلم ـ أنهم يضربون بسياط من نار و قال جل ذكره : ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ).اللهم..



الخطبة الثانية 
عباد الله   قيل لنوح عليه السلام وهو على فراش الموت.وقد لبث في قومه يدعوهم ألف سنه إلا خمسين عاما . صف لنا هذه الدنيا قال :والله ما لدنيا عندي إلا كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر .فهذه حال الدنيا. والله لنخرجن منها كما دخلنا . فطوبي لمن جعل الأعمال الصالحة له فيها زادا وسلما.  طوبي لمن شغلها بطاعة ربه  هنيئا لمن أحسن العمل وقدم الثمن وويل لمن أساء وظلم . ليقف كل واحد منا مع نفسه ليحاسبها علي ما مضي فإن كان علي خيرا ازداد وإن كان غير ذلك ندم وأناب  (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ *أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)
عباد الله  إن المؤمن بين مخافتين أجل قد مضي لا يدري ما الله صانع فيه وأجل قد بقي لا يدري ما لله قاض فيه .فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لأخرته ومن الشبيبة قبل الهرم ومن الحياة قبل الموت.  قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ.
             أين الأكاسرة الجبابرة الألى … كنزوا الكنوز فما بقين ولا بقوا
              من كلِّ من ضاق الفضاء بجيشه … حتَّى ثوى فحواه لحد ضيِّقُ
              خرس إذا نودوا كأن لم يعلموا … أنَّ الكلام لهم حلال مطلقُ
              والموت آت والنُّفوس نفائس … والمستغرُّ بما لديه الأحمقُ
             والمرء يأمل والحياة شهيَّة … والشَّيب أوقر والشَّبيبة أنزقُ
 عباد الله  لابد لانا من توبة صادقة نصوح.(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)  (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ *وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ)