سب الدهر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين        وبعد              
فإن من الألفاظ التي تسمع من كلام بعض الناس نظما وشعرا (سب الدهر) عن علم وقصد أوعن جهل. مثل قولهم: هذا يوم أسود على وجه التأفف، وقولهم: لا بارك الله في هذه الساعة، وقولهم: يوم مشؤوم، وقولهم: طفشنا من هذا الحر، أو يسب البرد.ومثل: الأيام الحالكة، أو أيلول الأسود، أو أيام النكسة ومثل ذلك: ما أقسى القدر.أو قول: هذا زمان غدَّار.ومثله: الشام شامك إذا الزمن ضامك، وهذا فيه نسبة الضيم إلى الزمان.
ولما كان سب الدهر ممنوعا شرعا, وواقعا مسموعا بين الناس أحببت أن أنقل ما جاء من النهي عن ذلك لعل الله أن ينفع به .فأقول مستعينا بالله وحده طالبا منه القبول:قال الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد: باب من سب الدهر فقد آذى الله.وقول الله تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ } الآية. وفي الصحيح  عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: “قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، أُقَلِّب الليل والنهار” وفي رواية: “لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر” فيه مسائل :
الأولى: النهي عن سب الدهر.
الثانية: تسميته أذى لله.
الثالثة: التأمل في قوله: ” فإن الله هو الدهر” 
الرابعة: أنه قد يكون سابا، ولو لم يقصده بقلبه. أ. هـ 
قال الحافظ في “الفتح “: قال الخطابي: أنا صاحب الدهر ومدبر الأمور التي ينسبونها إِلى الدهر فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إِلى ربه الذي هو فاعلها. أ . هـ
قال النووي : وَسَبَبه أَنَّ الْعَرَب كَانَ شَأْنهَا أَنْ تَسُبّ الدَّهْر عِنْد النَّوَازِل وَالْحَوَادِث وَالْمَصَائِب النَّازِلَة بِهَا مِنْ مَوْت أَوْ هَرَم أَوْ تَلَف مَال أَوْ غَيْر ذَلِكَ ، فَيَقُولُونَ : يَا خَيْبَة الدَّهْر ، وَنَحْو هَذَا مِنْ أَلْفَاظ سَبّ الدَّهْر ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” لَا تَسُبُّوا الدَّهْر فَإِنَّ اللَّه هُوَ الدَّهْر ” أَيْ لَا تَسُبُّوا فَاعِل النَّوَازِل ، فَإِنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمْ فَاعِلهَا وَقَعَ السَّبّ عَلَى اللَّه تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ هُوَ فَاعِلهَا وَمُنْزِلهَا . وَأَمَّا الدَّهْر الَّذِي هُوَ الزَّمَان فَلَا فِعْل لَهُ ، بَلْ هُوَ مَخْلُوق مِنْ جُمْلَة خَلْق اللَّه تَعَالَى . وَمَعْنَى ” فَإِنَّ اللَّه هُوَ الدَّهْر ” أَيْ فَاعِل النَّوَازِل وَالْحَوَادِث ، وَخَالِق الْكَائِنَات . وَاللَّهُ أَعْلَم . أ . هـ
قال شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله  : ” وسب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول : أن يقصد الخبر المحض دون اللوم ، مثل أن يقول : تعبنا من شدة حرّ هذا اليوم ، فهذا جائز  .
القسم الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن يعتقد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر، فهذا شرك أكبر، لأنه اعتقد مع الله خالقاً، لأنه نسب الحوادث إلى غير الله.
القسم الثالث: أن يسب الدهر لا لاعتقاد أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه لأنه محل لهذا الأمر المكروه، فهذا محرم ولا يصل إلى درجة الكفر “. أ . هـ
قال في تيسير العزيز الحميد: يسبون الدهر لما يجري عليهم فيه من المصائب والحوادث فيضيفون ذلك إليه من إضافة الشيء إلى محله لا لأنه عندهم فاعل لذلك والحديث صريح في النهي عن سب الدهر مطلقا سواء اعتقد أنه فاعل أو لم يعتقد ذلك كما يقع كثيرا ممن يعتقد الإسلام 
 كقول ابن المعتز   : يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدا… وأنت والد سوء تأكل الولد
 وقول أبي الطيب : قبحا لوجهك يا زمان كأنه…       وجه له من كل قبح برقع 
 وقول الطرفي      : إن تبتلى بلئام الناس يرفعهم…     عليك دهر لأهل الفضل قد خانا
 وقول الحريري   : ولا تأمن من الدهر الخؤون ومكره … فكم خامل أخنى عليه ونابه أ.هـ
قال الإمام ابن باز رحمه الله  ردا على  من قال : (إننا في هذه الحياة ليس لنا حقوق, إننا أعمار يلهو بها القدر, حتى يملها, فيلقي بها إلى العالم الآخر, والقدر يلهو أحيانا بدموعنا وضحكاتنا) قال رحمه الله: …وهذا الكلام مناف لكمال التوحيد, وكمال الإيمان بالقدر, فإن القدر لا يلهو, والزمن لا يعبث, وإن كل ما يجري في هذه الحياة هو بتقدير الله وعلمه, والله سبحانه هو الذي يصرف الليل والنهار, وهو الذي يقدر السعادة والشقاء, حسب ما تقتضيه حكمته….أ.هـ
قال ابن القيم  : ” وفي هذا ثلاث مفاسد عظيمة :
الأولى : سبه من ليس أهلاً للسب ، فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله ، منقاد لأمره .
الثانية : أن سبه متضمن للشرك ، فإنه إنما سبه لأنه ينفع ويضر ، وأنه مع ذلك ظالم قد ضرّ من لا يستحق العطاء .
الثالثة : أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتبع الحق فيها أهواءهم لفسدت السموات والأرض ، وإذا وافقت أهواءهم حمدوا الدهر وأثنوا عليه ” . أ . هـ
قال شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله في القواعد المثلى نافيا أن يكون الدهر اسما لله تعالى لأنه اسم جامد لا يتضمن معنى يلحقه بالأسماء الحسنى قال : فيكون معنى قوله: “وأنا الدهر” ما فسره بقوله: “بيدي الأمر أقلب الليل والنهار”، فهو سبحانه خالق الدهر وما فيه، وقد بين أنه يقلب الليل والنهار وهما الدهر، ولا يمكن أن يكون المقلِّب (بكسر اللام) هو المقلَّب (بفتحها)، وبهذا تبين أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مرادًا به الله تعالى. . أ . هـ
 وأختم بما جاء في صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:(إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُه اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ).وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.

كتبه /عبد الرحمن بن صالح بن عثمان المزيني
 محافظة الرس
فجر يوم الخميس التاسع من صفر 1432هـ 
almuzaini.a@gmail.com