حرمة الدماء

حرمة الدماء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده              وبعد
 ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ وَيُلْقَى الشُّحُّ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ قَالُوا وَمَا الْهَرْجُ قَالَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ). فهذا الخبر يدل على أن من أمارات الساعة ما يقع في هذه الأزمان من كثرة القتل وسفك الدماء. وكثرة القتل راجع إلى أحد سببين: الإفراط أو التفريط.
فالأول الإفراط وهو الغلو والتشدد في الدين  والمبالغة في إصدار الأحكام على الأشخاص والجماعات من تكفير وتبديع ونحو ذلك بغير برهان ولا دليل.
 ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التنطع والغلو في الدين. ففي صحيح الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (هلك المتنطعون) قالها ثلاثا. وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ،عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ 🙁 إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَة) أي: اطلبوا القصد والصواب، واتركوا الغلو والإفراط .
 وعن عبد الله بن عباس قال قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم : غداة العقبة وهو على راحلته (هات القط لي فلقطت له حصيات هن حصى الخذف فلما وضعتهن في يده قال بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) رواه النسائي وصححه الألباني. 
وأسباب الغلو في الدين كثيرة ومنها:-
1/حب الخير والحرص على التعبد مع الجهل.
2/عدم الصبر على ما يشاهد من فساد وتسلط على الخير وأهله.ففي المجتمع ما يوغر الصدور ويلهب الحمية الدينية من أنشطة فاسدة وكتابات مارقة.فربما قل صبر بعض الناس فزينت له نفسه والشيطان ما لا تحمد عواقبه.
3/الحماس للدين – الغير مضبوط بالشرع بل بالعواطف وردود الأفعال الطائشة-
4/التقليد الأعمى للأقران .
5/قصر النظر وعدم الحساب للعواقب .
6/الجهل بحقيقة المنكر ودرجاته وكيفية الإنكار .
7/الإعراض عن مجالس العلماء..وغير ذلك.
والثاني التفريط وهو الإسراف باقتراف الذنوب و المعاصي وعدم الخوف من الله  مما يسبب الطبع على القلب قال تعالى:(كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) قال السعدي رحمه الله في تفسيره: وفي هذه الآيات، التحذير من الذنوب، فإنها ترين على القلب وتغطيه شيئا فشيئا، حتى ينطمس نوره، وتموت بصيرته، فتنقلب عليه الحقائق، فيرى الباطل حقًا، والحق باطلا وهذا من بعض عقوبات الذنوب.أ.هـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه : عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران الذي ذكر الله { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}قال الترمذي:هذا حديث حسن صحيح.وحسنه الألباني.
وهذا التفريط راجع إلى أسباب منها:-
1/ عدم تعظيم الله وإجلاله كما قال تعالى في سورة الزمر: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)
2/ نوع المجالس وما يدور فيها فان لها تأثيرا بالغا. قال صلى الله عليه و سلم: الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) رواه الترمذي و قال:هذا حديث حسن غريب وحسنه الألباني.
3/ وسائل الإعلام الهابط بجميع أنواعها وما يعرض فيها من هابط الأفكار وفاسد الأقوال وخبيث المشاهد عبر برامجها.
4/ التربية المعوجة من الصغر والجرأة على الذنوب .ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ كَمَا تُنْتِجُونَ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا).
5/ قلة الناصح الأمين والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. ففي صحيح مسلم عن تميم الداري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال « الدين النصيحة » قلنا لمن قال « لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ».وفي الترمذي عن حذيفة رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه و سلم قال والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم . قال أبو عيسى هذا حديث حسن.
6 / قلة الذكر وقلة مجالسه وأهله. قال تعالى:(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا) (طه125)
ومن أعظم أسباب التهاون بالدماء – سواء ما كان بسبب الإفراط أو التفريط – الجهل بما ورد من النصوص التي تؤكد على حرمة الدماء و تردع عن التمادي في إراقة الدماء المعصومة.وهي كثيرة بحمد الله فهذا طرف منها:-
قال تعالى:(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) (النساء 92,93) قال السعدي رحمه الله في تفسيره: هذه الصيغة من صيغ الامتناع، أي: يمتنع ويستحيل أن يصدر من مؤمن قتل مؤمن، أي: متعمدا، وفي هذا الإخبارُ بشدة تحريمه وأنه مناف للإيمان أشد منافاة، وإنما يصدر ذلك إما من كافر، أو من فاسق قد نقص إيمانه نقصا عظيما، ويخشى عليه ما هو أكبر من ذلك، فإن الإيمان الصحيح يمنع المؤمن من قتل أخيه الذي قد عقد الله بينه وبينه الأخوة الإيمانية التي من مقتضاها محبته وموالاته، وإزالة ما يعرض لأخيه من الأذى، وأي أذى أشد من القتل؟ وهذا يصدقه قوله صلى الله عليه وسلم: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض”.أ.هـ َقَالَ بعض السلف عند قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا ) ذَلِكَ إِيجَابٌ مِنَ اللَّهِ الْوَعِيدِ لِقَاتِلِ الْمُؤْمِنِ مُتَعَمِّدًا كَائِنًا مَنْ كَان الْقَاتِلُ, عَلَى مَا وَصَفَهُ فِي كِتَابِهِ, وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ تَوْبَةً مِنْ فِعْلِهِ. قَالُوا : فَكُلُّ قَاتِلِ مُؤْمِنٍ عَمْدًا فَلَهُ مَا أَوْعَدَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ وَالْخُلُودِ فِي النَّارِ , وَلاَ تَوْبَةَ لَهُ . وعن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟ قال: لا. قال: فتلوت عليه هذه الآية التي في الفرقان ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق) إلى آخر الآية. قال: هذه آية مكية نسختها آية مدنية(ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا ). وفى رواية ابن هاشم فتلوت هذه الآية التي في الفرقان (إلا من تاب)رواه مسلم.
وقال تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) 32المائدة . وقال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا)(الاسراء33)
وقد أمر الله بالتثبت في جميع الشؤون وخص منها القتل لعظم شأن الدماء فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء94) قال السعدي رحمه الله في التفسير: فإن التثبت في هذه الأمور يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكف لشرور عظيمة، ما به يعرف دين العبد وعقله ورزانته، بخلاف المستعجل للأمور في بدايتها قبل أن يتبين له حكمها، فإن ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي، كما جرى لهؤلاء الذين عاتبهم الله في الآية لمَّا لم يتثبتوا وقتلوا من سلم عليهم.أ.هـ
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ذُكِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ ذَلِكَ أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ مَرَّتَيْنِ.متفق عليه . وفي البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا.وفيه عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ مِنْ وَرْطَاتِ الأُمُورِ الَّتِي لاَ مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ.
وعَنْ ا ْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا.متفق عليه.
وفي مسلم عن أبي هريرة يقول قال أبو القاسم -صلى الله عليه وسلم- « من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه ».
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود قَال قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَةَ).متفق عليه. وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا).رواه البخاري . وفي الصحيحين قَالَ صلى الله عليه وسلم: (أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ) وفي البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ غُلاَمًا قُتِلَ غِيلَةً فَقَالَ عُمَرُ :لَوِ اشْتَرَكَ فِيهَا أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ وَقَالَ مُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِيهِ إِنَّ أَرْبَعَةً قَتَلُوا صَبِيًّا فَقَالَ عُمَرُ مِثْلَهُ. عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى قَالَ سَلِ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَا أَمْرُهُمَا {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ} {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : لَمَّا أُنْزِلَتِ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ قَالَ مُشْرِكُو أَهْلِ مَكَّةَ فَقَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَدَعَوْنَا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَقَدْ أَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : {إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ} الآيَةَ فَهَذِهِ لأُولَئِكَ وَأَمَّا الَّتِي فِي النِّسَاءِ الرَّجُلُ إِذَا عَرَفَ الإِسْلاَمَ وَشَرَائِعَهُ ثُمَّ قَتَلَ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ فَذَكَرْتُهُ لِمُجَاهِدٍ فَقَالَ إِلاَّ مَنْ نَدِمَ)رواه البخاري
وأخرج الطبري في تفسيره : عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ : {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} قَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا عَرَفَ الإِسْلاَمَ وَشَرَائِعَ الإِسْلاَمِ ثُمَّ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ , وَلاَ تَوْبَةَ لَهُ . فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُجَاهِدٍ , فَقَالَ : إِلا مَنْ نَدِمَ . وفيه عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ , قَالَ : كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ مَا كُفَّ بَصَرُهُ , فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَنَادَاهُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ , مَا تَرَى فِي رَجُلٍ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ؟ فَقَالَ : جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا , وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ , وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا . قَالَ : أَفَرَأَيْتَ إِنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ , وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ وَالْهُدَى , فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ , قَاتل مؤمن مُتَعَمِّدًا , جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آخِذًا بِيَمِينِهِ أَوْ بِشِمَالِهِ , تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا , فِي قُبُلِ عَرْشِ الرَّحْمَنِ , يَلْزَمُ قَاتِلَهُ بِيَدِهِ الأُخْرَى يَقُولُ : سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي . وَالَّذِي نَفْسُ عَبْدِ اللَّهِ بِيَدِهِ لَقَدْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَمَا نَسَخَتْهَا مِنْ آيَةٍ حَتَّى قُبِضَ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا نَزَلَ بَعْدَهَا مِنْ برهان. وفيه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} فَقِيلَ لَهُ: وَإِنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ؟ فَقَالَ : وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ ؟.أ.هـ وروى الترمذي وغيره عن ابن عمر رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم :لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم )صححه الألباني . وفي الترمذي قوله صلى الله عليه وسلم:(لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار)  قال أبو عيسى هذا حديث غريب.وصححه الألباني .
ومما ورد فيه التحذير الشديد تعمد قتل الإنسان نفسه ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهْوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ تَحَسَّى سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسَمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ). وفي البخاري عَنِ الْحَسَنِ ، حَدَّثَنَا جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ وَمَا نَسِينَا مُنْذُ ، حَدَّثَنَا وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ.
وان من أسباب النجاة من الفتن عموما الانشغال بمعالي الأمور, من طلب علم وتعليم ودعوة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر. وتزود من الطاعات ,كل بحسبه وقدرته .أو الانشغال بطلب الرزق والصفق في الأسواق بيعا وشراء ونصحا وتوجيها. ففي صحيح مسلم عن معقل بن يسار رده إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العبادة في الهرج كهجرة إلى).قال النووي رحمه الله: الْمُرَاد بِالْهَرْجِ هُنَا الْفِتْنَة وَاخْتِلَاط أُمُور النَّاس . وَسَبَب كَثْرَة فَضْل الْعِبَادَة فِيهِ أَنَّ النَّاس يَغْفُلُونَ عَنْهَا ، وَيَشْتَغِلُونَ عَنْهَا ، وَلَا يَتَفَرَّغ لَهَا إِلَّا أَفْرَاد .أ.هـ قال المناوي في فيض القدير: (العبادة في الهرج) أي وقت الفتن واختلاط الأمور (كهجرة إلي) في كثرة الثواب أو يقال المهاجر في الأول كان قليلا لعدم تمكن أكثر الناس من ذلك فهكذا العابد في الهرج قليل قال ابن العربي : وجه تمثيله بالهجرة أن الزمن الأول كان الناس يفرون فيه من دار الكفر وأهله إلى دار الإيمان وأهله فإذا وقعت الفتن تعين على المرء أن يفر بدينه من الفتنة إلى العبادة ويهجر أولئك القوم وتلك الحالة وهو أحد أقسام الهجرة .أ.هـ

 
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه اللهم لاتجعل الحق ملتبسا علينا .وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه

أخوكم/ د. عبد الرحمن بن صالح بن عثمان المزيني
المشرف العام على موقع رياض الإسلام
 محافظة الرس. ‏24 ‏صفر, ‏1432هـ
almuzaini.a@gmail.com