تعزية

بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمدُ لله مُوفي الصَّابرين أجرَهُم بغير حسابٍ، وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدّه لا شريك لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
وبعد فقد توفي حميم لبعض الإخوان فعزيته بهذه الكلمات .ولأجل عموم الفائدة والنفع بها أحببت نشرها.
 أخي في الله …. زادك الله صبرا واحتسابا
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.                                                                                    
 وجبر الله مصابكم وغفر لميتكم . فلله ما أخذ وله ما أبقى وكل شيء عنده بأجل مسمى فاصبر واحتسب  .         
فإنَّ في الصبر على المصائبِ والبلايا والمحَنِ والرَّزايا  ما يعقب الأجر ويشرحُ الصدرَ، وفي الجزع والتَّسخّطِ بالقضاء ما يُحبطُ  الأجر، ويعظم الوزر . وقدِ ابتلى الربُّ سبحانه عبادُه في هذه الدار بالسَّراءِ والضراء، وفرض عليهم الصبر عند البلاء، والشكر عندَ الرخاء؛ ليجزيهم بذلك في دار البقاء بما كان منهم في دار الفناء.
قال تعالى: (ولنبولنكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم)  
وقال تعالى: (وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور) 
وقال تعالى: (ولنبلونَّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشِّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعُون أولئك عليهم صلواتٌ من ربِّهم ورَحمةٌ وأولئك همُ المهتدون )  .
و قال صلى الله عليه وسلم: واعلمُ أنَّ النَّصرَ معَ الصبر، وأنَّ الفرجَ مع الكرب، وأنَّ معَ العُسر يُسرا) .
وقال صلى الله عليه وسلم: (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ). 
وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الصبر ضياءٌ. 
وفي صحيح مسلم  عن صهيب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ( عجبًا لأمر المؤمن، إنّ أمرَه كله خيرٌ، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن؛ إنْ أصابتْه سرَّاء شكر، فكانَ خيرًا لهُ، وإنْ أصابتْه ضرَّاء صبَرَ، فكانَ خيرًا له) .
وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله: ما يزالُ البلاء بالمؤمن والمؤمنةِ في نفسه وولدِهِ ومَالهِ حتّى يلقى الله تعالى، وما عليه خطيئةٌ)  
وقال صلى الله عليه وسلم  : (إنَّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإنَّ الله تعالى إذا أحبَّ قومً ابتلاهُم، فمنْ رضي، فلهُ الرَّضى، ومنْ سخط، فلهُ السَّخط)  
في صحيح مسلم: عن أمِّ سلمة ، رضي الله عنها، قالت: سمعتُ رسول الله  يقولُ: ما منْ عبد تُصيبهُ مصيبةٌ فيقول: إنٍِّا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلفْ لي خيرًا منْها، إلا أجرهُ الله تعالى في مُصيبته، وأخلف له خيرًا منها). قالت: “فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله  فأخلف الله تعالى لي خيرًا منه؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  (إذا أصابتْ أحدكم مصيبةٌ، فليقلْ: إنَّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهمّ عنْدَكَ أحتسِبُ مُصيبتي، فأجرني فيها، وأبدلْ لي بها خيرًا منها) .
عن أبي موسى الأشعري  رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ماتَ ولدُ العبدِ، قالَ الله تعالى لملائكته: قَبضتُم ولدَ عبدي؟ فيقولونَ: نعمْ، فيقولُ: قبضتمْ ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قالَ عبدِي؟ فيقولونَ: حمدك واسترجعَ، فيقولُ الله، سبحانه وتعالى: ابنُوا لعبدي بيتًا في الجنّة، وسمّوهُ بيتَ الحمدِ) .
وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: يقولُ الله تعالى: ما لعبديَ المؤمن عندِي جزاءٌ، إذا قبضت صفيَّه منْ أهل الدُّنيا، ثمّ احتسبه، إلا الجنّة)
وفي الصحيحين أن النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي قَالَتْ إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي وَلَمْ تَعْرِفْهُ فَقِيلَ لَهَا إِنَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ فَقَالَتْ لَمْ أَعْرِفْكَ فَقَالَ إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى) 
والصدمة الأولى هي فجأة المصيبة. فالصبر الذي به يعظم الأجر هو عند الصدمة الأولى. لأن مرور الزمان يهون المصائب فيقع الصبر من غير تكلف وإنما القوة في مقابلة البلاء عند مبدأه ولا يقدر على الصبر حينئذ إلا أحد رجلين مؤمن بالأجر فهو يصبر لنيل ما يرجوه أو ناظر بعين العقل إلى أن الجزع لا فائدة فيه.وما أظنك إلا كذلك. 
 قال بعض السلف: من لم يتعز عند مصيبته بالأجر و الاحتساب سلا كما تسلو البهائم.
وقال بعضهم و قد عزى مصابا: إن صبرت فهي مصيبة واحدة و إن لم تصبر فهما مصيبتان.
و ذكر الذهبي أن عثمان رضي الله عنه لما ضرب جعل يقول و الدماء تسيل على لحيته : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين اللهم إني أستعين بك عليهم و استعينك على جميع أموري و أسألك الصبر على ما ابتليتني .
و عزى صالح المري رجلا قد مات ولده فقال : إن كانت مصيبتك أحدثت لك عظة في نفسك فنعم المصيبة مصيبتك و إن كانت لم تحدث لك عظة في نفسك فمصيبتك بنفسك أعظم من مصيبتك بابنك .
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:وجدنا خير عيشنا بالصبر) 
ومات ابن للشافعي، رضي الله عنه فقال:
وما الدهرُ إلا هكذا فاصطبْر له     ***     رزيةُ مالِ أو فراقُ حبيب.
ولله درُّ بعضِهم حيث يقول : 
صبرًا جميلاً على ما فات من حدثٍ **     والصَّبرُ أفضلُ شيء يُستعانُ بهِ
فالصبرُ ينفعُ أقوامًا إذا صبروا      **      على الزمان إذا ما مسَّك الضَّررُ 
ومما يسلي أهل المصائب أن المصاب إذا صبر واحتسب وركن إلى الكريم رجاء أن يخلف الله تعالى عليه ويعوضه عن مصابه فإن الله تعالى لا يخيبه بل يعوضه فإنه من كل شيء عوض إلا الله تعالى فما منه عوض كما قيل:   
من كل شيء إذا ضيعته عوض ** وما من الله إن ضيعته عوض 
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي فإنها من أعظم المصائب)  
اصبر لكل مصيبةٍ وتجلد      **   واعلم بأن المرء غير مخلد
وإذا ذكرت مصيبةً تشجى بها ** فاذكر مصابك بالنبي محمد
أخي في الله : 
إني أعزيك لا أني على ثقةٍ   ** من الخلود ولكن سنة الدين
 فما المعزي بباقٍ بعد تعزيةٍ   ** ولا المعزى ولو عاشا إلى حين 
جعلنا الله من الصًَّابرين الشاكرين الحامدين المستيقظين، وهو حسبُنا ونعمَ الوكيلُ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم، وصلوات الله وسلامه على إمام الصابرين وسيد الأولين والآخرين وخاتم النبيين والمرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
أخوك/ عبد الرحمن بن صالح بن عثمان المزيني
الرس 
27/10/1431هـ