تأخير العقيقة

بسم الله الرحمن الرحيم
حمدا لله على نعمه وآلائه وصلاةً وسلاما على صفوة خلقه ومن تبعه وسار على دربه.        وبعد
فإن نعمة الولد والذرية نعمة عظيمة قال عز وجل :{ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً  } وقال تعالى { وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ  } وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : لاََ يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَيَلِجَ النَّارَ إِلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ )  وقال: صلى الله عليه وسلم:(إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ). فهو نافع لأبويه في حياتهما وبعد موتهما. بل تغمرك السعادة وحسن الرجاء إذا علمت أن  الشمل يجتمع في الجنة. {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ }  
إن من  حكمة الله الدالة على عظمته وقدرته أن خلق الناس من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً  } فهي نعمة من الله توجب الشكر والثناء فتجد الزوجين يتطلعان إلى الذرية الطيبة ، ويستبشران بها ، فإن تأخر الحمل استغاثا بالله ،وسألاه من فضله. وضربا مشارق الأرض ومغاربها بحثا عن أسباب الإنجاب. وهذه سنة الله تعالى في الناس، ممن لم تتغير فطرهم، ولم يتأثروا بالتغريب والإعلام الفاسد. قال تعالى :{ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ  }
ونعمة الولد بيد الله نوعا وعددا ووقتا يعطيها من يشاء ويمنعها عن من يشاء .قال تعالى { للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَّشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَّشَاءُ الذُّكُورَ .أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ  }فإذا جاءت البشرى بالمولود تلألأت الوجوه بالفرح والسرور، وامتلأت القلوب بالسعادة.فمن الشكر القيام بحق هذه النعمة.  
وإن مما لوحظ على بعض الناس -هداهم الله- التهاون في أمر العقيقة تركا أو تأخيرا عن اليوم السابع من غير عذر إلا التكاسل والضن بالدنيا حتى إنه ربما تتابع فضل الله عليه بالأبناء والبنات ولم يعق عن واحد منهم.وربما تبجح الواحد منهم بهذا في المجالس. ولا شك أن هذا يدل على قلة شكر المنعم على نعمه وعدم قدر هذه النعمة قدرها.وقد جمعت هذه الكلمات تذكيرا وتنبيها سائلا الله أن ينفع بها. فقد جاءت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بها فعَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ:( كُلُّ غُلاَمٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ وَيُسَمَّى ) وعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: مَعَ الْغُلاَمِ عَقِيقَةٌ ) وعَنْه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَعَ الْغُلاَمِ عَقِيقَتُهُ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى ) وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم عق عن الحسن والحسين ) وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين عن كل واحد منهما كبشين اثنين مثلين متكافئين )وعن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده «أَن النَّبِي – صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -عق عَن الْحسن وَالْحُسَيْن عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا كبشين اثْنَيْنِ مثلين متكافئين ). وليعلم المتساهلون في العقيقة أن الغلام مرتهن بها. قال ابن حجر رحمه الله في الفتح: واختلف في معنى قوله مرتهن بعقيقته قال الخطابي اختلف الناس في هذا وأجود ما قيل فيه ما ذهب إليه أحمد بن حنبل قال: هذا في الشفاعة يريد أنه إذا لم يعق عنه فمات طفلا لم يشفع في أبويه وقيل: معناه أن العقيقة لازمة لا بد منها فشبه المولود في لزومها وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن وهذا يقوي قول من قال بالوجوب.أ.هـ قال في فيض الباري: والسر في العقيقة أنَّ الله أعطاكم نفساً، فقربوا له أنتم أيضاً بنفس، وهو السر في الأضحية. ولذا اشترطت سلامة الأعضاء في الموضعين، غير أن الأضحية سنوية، وتلك عُمْرية .أ.هـ وقال السندي رحمه الله في حاشيته على سنن ابن ماجه: وَقِيلَ هُوَ كَالشَّيْءِ الْمَرْهُون لَا يَتِمّ الِانْتِفَاع بِدُونِ فَكّه وَالنِّعْمَة إِنَّمَا تَتِمّ عَلَى الْمُنْعَم عَلَيْهِ بِقِيَامِهِ بِالشُّكْرِ وَوَظِيفَة الشُّكْر فِي هَذِهِ النِّعْمَة مَا سَنَّهُ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَنْ يَعُقّ عَنْ الْمَوْلُود شُكْرًا لِلَّهِ وَطَلَبًا لِسَلَامَةِ الْمَوْلُود وَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ سَلَامَة الْمَوْلُود وَنَشْوَهَ عَلَى النَّعْت الْمَحْمُود رَهِينَة بِالْعَقِيقَةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم.أ.هـ قال الزرقاني رحمه الله في شرح الموطأ: المراد أن العقيقة تخليص له من الشيطان الذي طعنه حين خروجه من حبسه له في أسره ومنعه له من سعيه في مصالح آخرته.أ.هـ وقال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله في الفتاوى: وقال بعض العلماء: (مرتهن بعقيقته) يعني: أن العقيقة من أسباب انطلاق الطفل في مصالح دينه ودنياه، وانشراح صدره عند ذلك، وأنه إذا لم يعق عنه فإن هذا قد يحدث له حالة نفسية توجب أن يكون كالمرتهن، وهذا القول أقرب، وأن العقيقة من أسباب صلاح الولد، وانشراح صدره، ومضيه في أعماله . أ.هـ وقال ابن جبرين رحمه الله : وقيل: إنه مرتهن عن برهما أو عن خدمتهما وطواعيتهما، وهذا دليل على آكديتها .أ.هـ
وليعلم أن جمعا من العلماء قالوا بأن العقيقة واجبة وهو قول الظاهرية ونقل عن الحسن البصري وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها جماعة من الحنابلة .قال ابن بطال رحمه الله: واختلفوا في وجوب العقيقة، فأوجبها الحسن البصري وأهل الظاهر وتأولوا قوله  صلى الله عليه وسلم: (مع الغلام عقيقته) على الوجوب. وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق: العقيقة سنة يجب العمل بها ولا ينبغي تركها لمن قدر عليها.أ.هـ 
وقال ابن عبد البر رحمه الله في الاستذكار: فمذهب أهل الظاهر أن العقيقة واجبة فرضا, منهم داود وغيره… وكان أبو برزة الأسلمي يوجبها وشبهها بالصلاة وقال الناس يعرضون يوم القيامة على العقيقة كما يعرضون على الصلوات الخمس وكان الحسن البصري يذهب إلى أنها واجبة عن الغلام يوم سابعه… وذهب الليث بن سعد إلى أنها واجبة عن المولود في سابعه وغير واجبة بعد سابعه… وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والطبري العقيقة سنة يجب العمل بها ولا ينبغي تركها لمن قدر عليها وقال أبو الزناد العقيقة من أمر المسلمين الذين كانوا يكرهون تركها.أ.هـ 
وليعلم أيضا أن من العلماء من يرى عدم إجزائها بعد اليوم السابع. قال في الفتح :قوله (يذبح عنه يوم السابع) تمسك به من قال أن العقيقة مؤقتة باليوم السابع, وأن من ذبح قبله لم يقع الموقع وإنها تفوت بعده وهو قول مالك. أ.هـ وقال المباركفوري رحمه الله في التحفة:وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعَقِيقَةَ مُؤَقَّتَةٌ بِالْيَوْمِ السَّابِعِ ، فَقَوْلُ مَالِكٍ هُوَ الظَّاهِرُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَأَمَّا رِوَايَةُ السَّابِعِ الثَّانِي وَالسَّابِعِ الثَّالِثِ فَضَعِيفَةٌ . أ.هـ قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ:( تُذْبَح عَنْهُ يَوْم سَابِعه ): فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ وَقْت الْعَقِيقَة سَابِع الْوِلَادَة وَأَنَّهَا لَا تُشْرَع قَبْله وَلَا بَعْده وَقِيلَ تَجْزِي فِي السَّابِع الثَّانِي وَالثَّالِث. أ.هـ وقال الصنعاني رحمه الله في السبل: وقوله في حديث عائشة يوم سابعه دليل أنه وقتها… وأنه لا يشرع قبله ولا بعده.أ.هـ قال في المنتقى شرح الموطأ: ( مَسْأَلَةٌ ) إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِ الصَّبِيِّ الْمَوْلُودِ وَذَلِكَ أَنْ يَمْضِيَ لِلْمَوْلُودِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ وَسَبْعُ لَيَالٍ …فَإِنْ لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ فَهَلْ يُعَقُّ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ مَنْ تَرَكَ أَنْ يَعُقَّ عَنْ ابْنِهِ فِي يَوْمِ سَابِعِهِ فَإِنَّهُ يُعَقُّ عَنْهُ فِي السَّابِعِ الثَّانِي فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَفِي الثَّالِثِ فَإِنْ جَاوَزَ ذَلِكَ فَقَدْ فَاتَ وَقْتُ الْعَقِيقَةِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يُجَاوِزُ بِالْعَقِيقَةِ الْيَوْمَ السَّابِعَ .أ.هـ قالت اللجنة الدائمة للإفتاء:إذا مضى اليوم السابع ولم يعق عنه فرأى بعض الفقهاء أنه لا يسن أن يعق عنه بعده لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، وقّتَها باليوم السابع.وذهب الحنابلة وجماعة من الفقهاء إلى أنه يسن أن يعق عنه ولو بعد شهر أو سنة أو أكثر من ولادته لعموم الأحاديث الثابتة، ولما أخرجه البيهقي عن أنس رضي الله عنه أن النبي، صلى الله عليه سلم، عق عن نفسه بعد البعثة وهو أحوط.أ.هـ ولا شك أن الأحوط ذبحها في اليوم السابع, فإن العقيقة عبادة مؤقتة من الشارع الحكيم إذا فات وقتها (اليوم السابع) لغير عذر فلا يبعد أن يفوت محلها.ولو كان اليوم السابع واليوم العاشر سواء. لم يكن لقول النبي صلى الله عليه وسلم تذبح عنه يوم سابعه معنى.لكن يقضيها في أي وقت قضاء لا أداء. قال في المغني: وَاحْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ فِي كُلِّ وَقْتٍ؛ لِأَنَّ هَذَا قَضَاءُ فَائِتٍ، فَلَمْ يَتَوَقَّفْ، كَقَضَاءِ الْأُضْحِيَّةِ وَغَيْرِهَا .أ.هـ
ومما ينبه عليه إن بعض الناس ربما تحرى بالعقيقة مناسبة تلزمه. قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله في الفتاوى :عندما سئل عن العقيقة إذا ذبحها بمناسبة قدوم ضيف فهل تجزئ؟فأجاب بقوله: لا تجزئ؛ لأن العبادة يجب أن تكون خالصة، ولأنه لو فتح هذا الباب لانسد باب العقيقة، وصار كل من حصل له مناسبة ذبح شيئًا ونواه عقيقة، وإذا لم يكن مناسبة أخر العقيقة حتى تحصل المناسبة، وهذا معناه سقوط ذبح العقيقة بنية العبادة؛ ولأن فعل هذا مقصود به إحياء ماله ووقايته …ولا فرق بين أن يعينها عقيقة من قبل أن ينزل به الضيف، أو يشتري ذلك بعد نزوله به؛ لأن المعنى واحد، وإذا كان قد عينها من قبل فلينتظر وليشتر للضيف غيرها، نعم لو ذبحها قبل نزول الضيف به ثم صادف نزوله به بعد ذلك فهذا لا شك أنها تجزئ، أو نوى أن يذبحها في اليوم المعين فنزل به الضيف ذلك اليوم فالظاهر أنها تجزئ أيضًا.أ.هـ ونخلص مما سبق بأمور منها:-
1- الحذر من التهاون بالعقيقة.
2- وجوب العقيقة عند جمع من العلماء.
3- المبادرة بذبحها في اليوم السابع من الولادة.حذرا من مخالفة السنة أو الطمع أو النسيان.
4- التأكيد على طيب النفس بها لأنها عبادة ومغنم لا مغرم, ونفس تقابل نفسا.( لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ.. ).
 وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
 
كتبه /عبد الرحمن بن صالح بن عثمان المزيني
محافظة الرس   28 ‏محرم  ‏1432هـ
almuzaini.a@gmail.com 
محافظة الرس   28 ‏محرم  ‏1432هـ