النميمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده     وبعد
 فإن من أعظم الآفات والمهلكات: النميمة، القالة بين الناس، يوم ينقل ذلك الرجل الذي لا يخاف الله ولا يتقيه تلك الكلمات التي تأجج نار الفتنة و. تفرق بين الأحبة والجماعات.و تورث البغضاء والعداوات.و تصطلي بها القلوب بنار الحقد والحسد.وتورث بين الناس المفاسد حتى ربما تسفك الدماء، وتنتهك حدود الله.خاصة إذا ألقاها على من لا يحسن التعامل مع النمام الفاسق.فلا تسأل عن عظيم الأثر وجسامة الخطر.ويعظم الخطر إذا كان النمام من المحسوبين على الصالحين نعوذ بالله من الخذلان .
 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح: وقال الغزالي ما ملخصه: النميمة في الأصل نقل القول إلى المقول فيه ولا اختصاص لها بذلك بل ضابطها كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو غيرهما وسواء كان المنقول قولا أم فعلا وسواء كان عيبا أم لا حتى لو رأى شخصا يخفى ما له فأفشى كان نميمة.أ.هـ 
ولقد جاء النصوص من الوحيين وأقوال السلف بالوعيد الشديد للنمام .وكذا من أصغى بأذنيه للنمام .وليتأمل المعافى ويعرف فضل الله عليه.وإليك جملة من الآيات والأحاديث وأقوال الصالحين رجوت الله أن ينفع بها ويصلح أحوالنا.
قال الله تعالى: {هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} .قال السعدي رحمه الله في تفسيره : أي: يمشي بين الناس بالنميمة، وهي: نقل كلام بعض الناس لبعض، لقصد الإفساد بينهم، وإلقاء العداوة والبغضاء. أ.هـ
وقال سبحانه: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} . قال السعدي رحمه الله في تفسيره : الذي يهمز الناس بفعله، ويلمزهم بقوله، فالهماز: الذي يعيب الناس، ويطعن عليهم بالإشارة والفعل، واللماز: الذي يعيبهم بقوله. أ.هـ 
وعن حذيفة(رضي الله عنه) قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: “لا يدخل الجنة قتات”  وفي رواية نمام  والقتات هو النمام.  وقيل. الفرق بين القتات والنمام أن النمام الذي يحضر القصة فينقلها، والقتات الذي يستمع من حيث لا يعلم به ثم ينقل ما سمعه.
وعن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: خرج النبي صلّى الله عليه وسلّم من بعض حيطان المدينة، فسمع صوت إنسانين يعذبان، في قبريهما فقال: “يعذبان وما يعذبان في كبيرة، وإنه لكبير: كان أحدهما لا يستتر من البول، وكان الآخر يمشي بالنميمة، ثم دعا بجريدة فكسرها بكسرتين- أو اثنتين – فجعل كسرة في قبر هذا، وكسرة في قبر هذا فقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا”. 
وعن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) قال: إن محمداً صلّى الله عليه وسلّم قال: “ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس”   
 قال بعض السلف: “يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة” والنميمة من أنواع السحر، لأنها تشارك السحر في التفريق بين الناس وتغيير قلوب المتحابين وتلقيح الشرور.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : السَّاعِي بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ قَبِيحَتَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونَ صَدَقَ فَقَدْ خَانَ الْأَمَانَةَ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ كَذَبَ فَخَالَفَ الْمُرُوءَةَ .
وَوَقَعَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ عَلَى قِصَّةِ سَاعٍ سَعَى إلَيْهِ : نَحْنُ نَرَى قَبُولَ السِّعَايَةِ شَرًّا مِنْهَا ؛ لِأَنَّ السِّعَايَةَ دَلَالَةٌ ، وَالْقَبُولَ إجَازَةٌ ، فَاتَّقُوا السَّاعِيَ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ فِي سِعَايَتِهِ صَادِقًا كَانَ فِي صِدْقِهِ آثِمًا ، إذْ لَمْ يَحْفَظْ الْحُرْمَةَ وَيَسْتُرْ الْعَوْرَةَ .
وَقَالَ الْإِسْكَنْدَرُ لِرَجُلٍ سَعَى إلَيْهِ بِرَجُلٍ : أَتُحِبُّ أَنْ نَقْبَلَ مِنْك مَا تَقُولُ فِيهِ عَلَى أَنْ نَقْبَلَ مِنْهُ مَا يَقُولُ فِيك ؟ قَالَ : لَا .قَالَ : فَكُفَّ عَنْ الشَّرِّ يَكُفَّ عَنْك الشَّرُّ . 
وروي عن عليّ- رضي اللّه عنه- أنّ رجلا سعى إليه برجل فقال له: «يا هذا، نحن نسأل عمّا قلت، فإن كنت صادقا مقتناك. وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن شئت أن نقيلك أقلناك. فقال: أقلني يا أمير المؤمنين)
وروي عن عمر بن عبد العزيز- رحمه اللّه تعالى-: أنّه دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئا فقال له عمر: «إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) وإن كنت صادقا فأنت من أهل هذه الآية: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ   وإن شئت عفونا عنك؟» فقال: العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبدا.
 وسعى رجل بزياد الأعجم إلى سليمان ابن عبد الملك فجمع بينهما للموافقة، فأقبل زياد على الرّجل، وقال:
فأنت امرؤ إمّا ائتمنتك خاليا … فخنت وإمّا قلت قولا بلا علم
فأنت من الأمر الّذي كان بيننا … لمنزلة بين الخيانة والإثم
وقال قتادة- رحمه اللّه-: ذكر لنا أنّ عذاب القبر ثلاثة أثلاث: ثلث من الغيبة، وثلث من النّميمة، وثلث من البول.
وقال الشّاعر:
تنحّ عن النّميمة واجتنبها … فإنّ النّمّ يحبط كلّ أجر
يثير أخو النّميمة كلّ شرّ … ويكشف للخلائق كلّ سرّ
ويقتل نفسه وسواه ظلما … وليس النّمّ من أفعال حرّ
وقال آخر:
لا تقبلنّ نميمة بلّغتها … وتحفّظنّ من الّذي أنباكها 
إنّ الّذي أهدى إليك نميمة… سينمّ عنك بمثلها قد حاكها
وعلى الجملة فشر النمام عظيم ينبغي أن يتوقى قال حماد بن سلمة :باع رجل عبدا وقال للمشتري ما فيه عيب إلا النميمة قال رضيت فاشتراه فمكث الغلام أياما ثم قال لزوجة مولاه إن سيدي لا يحبك وهو يريد إن يتسرى عليك فخذي الموسى واحلقي من شعر قفاه عند نومه شعرات حتى أسحره عليها فيحبك ثم قال للزوج إن امرأتك اتخذت خليلا وتريد أن تقتلك فتناوم لها حتى تعرف ذلك فتناوم لها فجاءت المرأة بالموسى فظن أنها تريد قتله فقام إليها فقتلها فجاء أهل المرأة فقتلوا الزوج ووقع القتال بين القبيلتين.
وفي النَّاس من يُغرِي الوَرَى بِلسانِهِ … وبَينَ البَرايَا للنَّمِيمةِ يَحملُ
يَرَى أنَّ في حملِ النَّمِيمَةِ مَكسبًا        .. تَراهُ بها بَينَ الوَرَى يَتأكَّلُ  
 ولهذه الآفة أسبابا منها 
1-المجتمع المحيط بالإنسان  فقد ينشأ الإنسان في بيئة دأبها الإفساد والوقيعة بين الناس، فيأخذ في الأثر بها، ومحاكاتها .
2 – الحسد أو محبة الشر والسوء للناس.
3 – التملق لدى ذوي الوجاهة والسلطان إرضاء لهم أو طمعا بما في أيد يهم.
4 – عدم قيام الأمة بواجبها نحو النمام من رده والإنكار عليه. بل الواقع استحسان عمله وشكره والله المستعان.
والواجب على من حملت له النميمة أن يتقي الله  ويراعي ما قاله الإمام النووي نقلا عن الغزالي: (وكل من حملت إليه نميمة، وقيل له: فلان يقول فيك، أو يفعل فيك كذا فعليه ستة أمور:
الأول: أن لا يصدق، لأن النمام فاسق.
الثاني: أن ينهاه عن ذلك، وينصحه، ويقبح له فعله.
الثالث: أن يبغضه في الله تعالى؛ فإنه بغيض عند الله تعالى ويجب بغض من أبغضه الله تعالى.
الرابع: أن لا يظن بأخيه الغائب السوء.
الخامس: أن لا يحمله ما حكي له على التجسس والبحث عن ذلك.
السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه فلا يحكي نميمته عنه فيقول: فلان حكى كذا، فيصير به نماماً، ويكون آتياً ما نهى عنه…)  أ.هـ
 ولا شك أن نسيان الله،  و نسيان الدار الآخرة، وما فيها من الأهوال والشدائد، والعذاب الدائم، أو النعيم المقيم، قد يكون هذا كله سبباً في الوقوع في النميمة.
ومن علاج النميمة:
أن يعلم النّمّام أنّه قد تعرّض بها لسخط اللّه تعالى وعقوبته وأنّها تحبط حسناته وبأن يتدبّر المرء في عيوبه ويجتهد في التّطهّر منها وأن يعلم أنّ تأذّي غيره بالنّميمة كتأذّيه بها فكيف يرضى لغيره ما يتأذّى به؟ وعليه إمعان النّظر في بواعثها فيقطعها من الأصل؛ إذ علاج العلّة إنّما يكون بقطع سببها، وألّا يعتقد المرء في أخيه سوءا، وأن يبادر إلى التّوبة وليعلم أن النميمة عواقبها وخيمة فمن ذلك:
 (1)أنها طريق موصّل إلى النّار.
(2) أنها تذكي نار العداوة بين المتآلفين.
(3) أنها تؤذي وتضرّ، وتؤلم، وتجلب الخصام والنّفور.
(4) أنها عنوان الدّناءة والجبن والضّعف والدّسّ والكيد والملق والنّفاق.
(5) أنها مزيلة كلّ محبّة ومبعدة كلّ مودّة وتآلف.
ومن آثار النميمة: 
1 – قسوة القلب :ذلك أن النميمة كغيرها من المعاصي والسيئات تسود القلب وتدنسه، وتقسيه  والويل كل الويل لمن قسا قلبه كما قال سبحانه: {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مُبين}  .
2 – نزع الثقة والهيبة من قلوب الناس  
3 – الإفلاس فهي تنتهي بصاحبها إلى الإفلاس، إذ تضيع حسناته وربما حط عليه من سيئات الآخرين عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ». قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ. فَقَالَ « إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أمتي يأتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ويأتي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ ”  .
4-الفرقة والتمزق:وذلك أن سماع النميمة إذا لم يكن معه تقوى الله، يؤدي إلى سوء الظن، ثم التجسس وتتبع العورات، ثم الغيبة، ثم الخصومة، ثم التدابر والتقاطع، أو الفرقة والتمزق، الأمر الذي يكون سببا في ذهاب ريحنا وطمع الأعداء فينا.
فإلى كل نمام ومستمع: ألا فاتقوا الله  وراقبوه . قال العلامة ابن القيم رحمه الله: وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَهُونُ عَلَيْهِ التَّحَفُّظُ وَالِاحْتِرَازُ مِنْ أَكْلِ الْحَرَامِ وَالظُّلْمِ وَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ ، وَمِنَ النَّظَرِ الْمُحَرَّمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَيَصْعُبُ عَلَيْهِ التَّحَفُّظُ مِنْ حَرَكَةِ لِسَانِهِ ، حَتَّى تَرَى الرَّجُلَ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالدِّينِ وَالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ ، وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَاتِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا ، يَنْزِلُ بِالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْهَا أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، وَكَمْ تَرَى مِنْ رَجُلٍ مُتَوَرِّعٍ عَنِ الْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ ، وَلِسَانُهُ يَفْرِي فِي أَعْرَاضِ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ ، وَلَا يُبَالِي مَا يَقُولُ .  أ.هـ 
اللهم اهدنا فيمن هديت وتولنا فيمن توليت, رب آت نفوسنا تقواها زكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها. وصلي اللهم وسلم على نبينا محمد واله وصحبه
 
أخوكم المحب/عبد الرحمن بن صالح بن عثمان المزيني
مشرف اللجنة العلمية في مكتب الدعوة
مساء الثلاثاء  18/6 / 1431هـ محافظة الرس
almuzaini.a@gmail.com