الطبل للرجال

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لانبي بعده ، وبعد :

 

        فإن من يقعون في الإثم على نوعين : من يعلم الإثم فهو قلق خائف قد ساءه وأحزنه ذنبه فهو على خير يرجى له توبة نصوحاًًًًً . فقد قال r عندما سئل عن الإيمان:( إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن ) . قال الحاكم ووافقه الذهبي : صحيح على شرط الشيخين .

 

والنوع الآخر من لم يحزنه ذنبه ولم يسوؤه بل يبحث عما يقوي باطله ويحسن فعله من أقوال شاذة أو فتاوى غير محققة بل ربما تقوّل بعضهم على أهل العلم ونسب إليهم مايؤيد باطله زوراً وبهتاناً ، وقد قال r: (… والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس و أفتوك ) قال النووي حديث حسن

 

وإن من المسائل التي كثر فيها الكلام والجدال مسألة الضرب بالطبول للرجال، وإني لأعجب أن يطول الخوض في هذه القضية[ قضية إباحة اللهو] في زمن تعيش فيه أمة الإسلام فتناً عظيمة وكيداً عالمياً ظاهراً !! فهلا صرفت تلك المهارشات ممن يزينون للناس الباطل إلى دعوة الأمة إلى الجد وترك التفرق والتحزب والاشتغال بتوجيه أبناء المسلمين إلى مجالس العلماء وتحذيرهم من الأفكار التي عصفت بهم وفرقت جمعهم وأذهبت قوة الأمة .

 

 وإنني أقول إبراء للذمة ونصحاً للأمة ودفاعاً عن أهل العلم أن يقال عنهم مالم يقولوه أو ينسب إليهم ماليس من قولهم . ونصحا لناشئة الصحوة المباركة أن يغتروا بما يروجه ويزخرفه أهل الأهواء فإنا نؤمل في شبابنا مستقبلا مشرقا مستنيراً بالعلم النافع والعمل الصالح وإن بوادر ذلك ظاهرة ولله الحمد فهذه حِلق العلماء في المساجد أكبر شاهد ، والأمل أن تصل الأمة إلى ذرى العزة . ونحن ـ ولله الحمد ـ موعودون بذلك (والعاقبة للمتقين) (إن تنصروا الله ينصركم) وإن الواجب على من ابتلي باللهو وحب الباطل أن يسأل الله العافية وألا يجاهر بلهوه أو يدعو الناس إليه أو يحسنه للناس . خاصة مَنْ شاب شعره واحدودب ظهره ففي الصحيح  عن النبي  r  أنه قال : ( أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة ) أي لاعذر له وقال ابن أبي الدنيا : دخل سليمان بن عبد الملك المسجد فرأى شيخاً كبيراً فدعا به فقال : يا شيخ أتحب الموت ؟ قال : لا ، قال : لِـمَ ؟ قال : ذهب الشباب وشره ، وجاء الكبر وخيره ، فإذا قمت قلت : بسم الله ، وإذا قعدت قلت : الحمد لله ، فأنا أحب أن يبقى لي هذا .  ولنتذكر قول الله تعالى ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ..﴾

 

وإنني أنقل لكل عاقل منصف غيور على حدود الله ومحارمه شيئاً مما قاله أهل العلم حول الطبول للرجال، وأطالب كل من يقرأ ذلك أن يتجرد للحق بعيداً عن الأهواء والتعصب. والله المستعان وعليه التكلان :

 

 قال عبد الله بن عباس t  : الدف حرام ، والمعازف حرام ، والكوبة [أي الطبل] حرام ، والمزمار حرام  رواه البيهقي (10/222)

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في ” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 565 ، 566 ) :

 

وَبِالْجُمْلَةِ قَدْ عُرِفَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ النَّبِيَّ r لَمْ يَشْرَعْ لِصَالِحِي أُمَّتِهِ وَعُبَّادِهِمْ وَزُهَّادِهِمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى اسْتِمَاعِ الْأَبْيَاتِ الْمُلَحَّنَةِ مَعَ ضَرْبٍ بِالْكَفِّ أَوْ ضَرْبٍ بِالْقَضِيبِ أَوْ الدُّفِّ . كَمَا لَمْ يُبَحْ لِأَحَدِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ مُتَابَعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ لَا فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ وَلَا فِي ظَاهِرِهِ وَلَا لِعَامِّيِّ وَلَا لِخَاصِّيِّ وَلَكِنْ رَخَّصَ النَّبِيُّ  r فِي أَنْوَاعٍ مِنْ اللَّهْوِ فِي الْعُرْسِ وَنَحْوِهِ كَمَا رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ أَنْ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ فِي الْأَعْرَاسِ وَالْأَفْرَاحِ . وَأَمَّا الرِّجَالُ عَلَى عَهْدِهِ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَضْرِبُ بِدُفِّ وَلَا يُصَفِّقُ بِكَفِّ بَلْ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: ” التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ وَالتَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ ” ” وَلَعَنَ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ ، والمتشبهين مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ ”  وَلَمَّا كَانَ الْغِنَاءُ وَالضَّرْبُ بِالدُّفِّ وَالْكَفِّ مِنْ عَمَلِ النِّسَاءِ كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ الرِّجَالِ مُخَنَّثًا وَيُسَمُّونَ الرِّجَالَ الْمُغَنِّينَ مَخَانِيث وَهَذَا مَشْهُورٌ فِي كَلَامِهِمْ .ا.هـ.

 

وقال في ص599 : “وأما الرقص فلم يأمر الله به ولا رسوله ولا أحد من الأئمة بل قد قال الله في كتـابه : ( واقصد في مشيك ) وقال في كتابه : ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ) أي: بسكينة ووقار ، وإنما عبادة المسلمين الركوع والسجود بل الدف والرقص في الطابق لم يأمر الله به ولا رسوله ولا احد من سلف الأمة . وقال ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 9 / 226 ) :  وَالْأَحَادِيث الْقَوِيَّة فِيهَا الْإِذْن فِي ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ فَلَا يَلْتَحِق بِهِنَّ الرِّجَال لِعُمُومِ النَّهْي عَنْ التَّشَبُّه بِهِنَّ ا.هـ . وقال ابن القيم رحمه الله : إغاثة اللهفان 1/425 : ( مذهب أبي حنيفة في ذلك من أشد المذاهب ، وقوله فيه من أغلظ الأقوال ، وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها كالمزمار والدف ، حتى الضرب بالقضيب ، وصرحوا بأنه معصية يوجب الفسق وترد بها الشهادة ، وأبلغ من ذلك أنهم قالوا : أن السماع فسق والتلذذ به كفر ). وقال مفتي الديار السعودية الشيخ ابن إبراهيم رحمه الله في ج 10 من فتاواه : ” ثم الدف من خصائص النساء لا يضرب به الرجال، إنما يضرب به النساء خاصة، لأن هذا من تمام إعلانه ” . يعني النكاح ص215 وقال: ” أما كون النساء يضربن الطبول في العرس فهو باطل ” . ص216 . وقال : ” فصار لا يباح إلا (الدف) الذي لا حلق فيه ولا (صنوج) ، للنساء خاصة ، لا للرجال ، أما ( الطبل ) فلا يجوز بحال من الأحوال في أي وقت ، وذكر بعض العلماء أنه يجوز في الحرب كما جاز الحرير، لما فيه من تقوية القلب ، والطبل فيه شيء مما يشجع ، وفي غير هذا لا يستعمل ” ص218 . وقال : ” ضرب الدفوف إذا كان مقصوراً على النساء فقط سالماً من الأمور المحرمة فلا مانع منه ، لشرعية إعلان النكاح ” ص 221 . وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في ” مجلة الجامعة الإسلامية ” بالمدينة النبوية  : ” وإنما الرخصة لهن في استعمال الدف خاصة ، أما الرجال فلا يجوز لهم استعمال شيء من ذلك لا في الأعراس ولا في غيرها ، وإنما شرع الله للرجال التدرب على آلات الحرب كالرمي وركوب الخيل والمسابقة بها وغير ذلك ” . ا.هـ.

 

قالت اللجنة الدائمة : ” أما الطبل ونحوه من آلات الطرب: فلا يجوز استعماله مع هذه الأناشيد؛ لأن النبي   وأصحابه رضي الله عنهم لم يفعلوا ذلك . ” فتوى رقم 3259 “. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله : ” أما الطبل فلا يجوز ضربه في العرس بل يكتفى بالدف خاصة ” . فتاوى إسلامية ” ( 3 / 185 ) . وقال رحمه الله : ” لا نعلم شيئاً يبيح استعمال الطبول بل ظاهر الأحاديث الصحيحة يدل على تحريم استعمالها كسائر آلات الملاهي من العود ، والكمان وغيرهما ، ومن ذلك ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف “. ولفظ المعازف يشمل الأغاني وجميع آلات اللهو . مجلة البحوث الإسلامية 38/144 . وقال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله : ” المختوم من الوجهين يسمى ( الطبل ) وهو غير جائز ؛ لأنه من آلات العزف ، والمعازف كلها حرام إلا ما دلَّ الدليل على حلِّه وهو الدف حال أيام العرس ” . فتاوى إسلامية 3 / 186 . وقال رحمه الله:  ” أما الطبل والزير ، والأغاني التي تتضمن الهجاء والسب فهي محرمة ، ولا يجوز للإنسان أن يحضر مثل هذه العرضات، ويجب النهي عنها ونصيحة الناس بعدم حضورها ؛ لأن مجالس المنكر إذا حضرها الإنسان شاركهم في الإثم وإن لم يفعل ، لقول الله تبارك وتعالى: ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً  ) [النساء:140] . وسئل أيضا : ( هناك نوع من الطبول يكون مغطى من جهة ، والجهة الثانية يكون معظمه مغطى إلا فتحة صغيرة ، فهل يلحق هذا بالدف ؟ فقال : ” هذا سلمك الله يلحق بالطبل ، وربما يكون أشد لأن هذا النوع يجعل الصوت يخرج من هذه الفتحة اليسيرة ويحصل له صفير وصوت أبلغ مما لو كان مختوماً كله أو مفتوحاً كله ، فلا يجوز أن تستعمل هذا فيما فيه الدف ، لأن الدف أهون بلا شك من هذا ، هذا يعطي صوتاً رناناً وسبباً للنشوة والطرب أكثر  ” [ لقاء الباب المفتوح ] وقال رحمه الله في فتاوى نور على الدرب : ” .. فالضاربات بالدف لا حرج عليهن ليلة الزفاف بل هذا من الأمور المطلوبة إذا خلا من محظور وأما الضاربات بالطبل أو نحوه فإنه لا يجوز حضورهن لأن السنة إنما وردت في الضرب على الدف ” أهـ . وأما ما يطنطن به بعض من لاحض له من العلم مما ثبت من لعب الأحباش في المسجد فقد قالت اللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة الإمام ابن باز رحم الله الجميع  في الفتوى رقم4118 : ” أما ما كان من الحبشة فهي عرضة حربية فيها تدريب على أعمال الحرب وتمرين على استعمال أسلحته ” . وبهذه المناسبة أذكر نفسي وإخواني طلبة العلم بتقوى الله فان القول على الله والإفتاء توقيع عن رب العالمين ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولك كان عنه مسؤولا ) ( وأن تقولوا على الله مالا تعلمون) كما أحذر كل من لا نصيب له من العلم أن يتكلم بتحريم أوتحليل فان هذا الدين علم مأخوذ من الكتاب والسنة فلا مجال فيه للهوى (ولو اتبع الحق أهوائهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) .

 

 

 

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه .