الديون

أما بعد .. فلقد فشت ظاهرة خطيرة في مجتمعنا كبلت أيدي الكرماء وأخافت قلوب الأمناء ألا وهي الديون لقد تكاثرت الديون علي الناس حتى انتهي ببعضهم الأمر إلي السجون أوالي لجنة تتبع الممتلكات لتعيد إلي أصحاب الأموال حقوقهم أو بعضها.و لقد أشغلت المحاكم والشرط في شكاوي أهل الحقوق.  
عباد الله :لقد جاء عن رسول الله من الآثار ما يدل علي سوء عاقبة من مات وعلية دين لأحد من الناس فعن عبد الله بن آبي قتادة عن أبية إن النبي صلي الله علية وسلم أتي برجل ليصل علية فقال صلي الله علية وسلم صلوا علي صاحبكم فإن علية دينا)  وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال صلي الله علية وسلم (نفس المؤمن معلقة بدينة حتى يقضي عنه )  قال الصنعاني (وهذا الحديث من الدلائل علي انه لايزال الميت مشغولا بدينه بعد موته ففيه حث علي التخلص منه قبل الموت وأنه أهم الحقوق وإذا كان هذا في الدين المأخوذ برضا صاحبه فكيف بما اخذ غصبا وسلبا ونهبا )  وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال قال صلي الله علية وسلم ( يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين )  وعن محمد بن جحش قال ( كنا جلوسا عند رسول الله صلي الله عليه وسلم فرفع رأسه إلي السماء ثم وضع راحته علي جبهته ثم قال سبحان الله ماذا نزل من التشديد؟ فلما كان من الغد سألته ماهذا التشديد الذي نزل؟ فقال والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم أحيى ثم قتل ثم أحيى ثم قتل وعلية دين ما دخل الجنة حتي يقضي عنه دينه)  
عباد الله :يجب علي المسلم إن يرضي بالقليل ويقنع بالموجود ولايكلف نفسه من أجل رفاهية زائدة أو مظاهر زائفة فقد قال الله تعالي (ولا تمدن عينيك إلي ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خيروأبقي )  
وقال صلى الله عليه وسلم (قد افلح من اسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه) 
قال شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله (إني لأعجب من قوم مدانين عليهم ديون كثيرة ثم يذهب احدهم يستدين ليشتري من فلان وفلان أثاثا للبيت زائدا عن الحاجة يشترى كساء أوفرشا للدرج وهو فقير علية ديون هذا سفه سفه في العقل وضلال في الدين .أ.هـ
عباد الله  انه لا شك إن من الناس من تصيبه ضائقة يحتاج معها إلي الدين فإذا اتقي الله وصدق العزم في ردة عند يسرة لقي من الله الفرج واليسر قال تعالي (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا  )  
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال صلى الله عليه وسلم:( من أخذا أموال الناس يري أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ) 
 وهذا الإتلاف يكون في الدنيا في معا شه أو نفسه وربما يكون في عذاب الآخرة. فمن لم يتقي الله في الدين الذي عليه وماطل لقي من الله عنتا وتلفا فإن أحسن القضاء أداه الله عنه في الدنيا قبل الآخرة أو يتحمله الله عنه في الآخرة. قال صلي الله علية وسلم (ما من مسلم يدان دينا يعلم الله منه انه يريد أداءه إلا أداه الله عنه  ) وقال صلي الله عليه وسلم (أيما رجل يدين دينا وهو مجمع إن لايوفيه إياه لقي الله سارقا)  وقال صلى الله عليه وسلم (مطل الغني ظلم..) 
عباد الله / لقد أريقت مياه وجوه كثير من الرجال واختفوا ا عن أعين الناس خوفا من عتاب أهل الديون والتجار.وكما قيل ( الدين هم بالليل ومذلة بالنهار ) قال القرطبي قال علماؤنا (وإنما كان شينا ومذلة لما فيه من شغل القلب والبال والهم اللازم في قضائه والتذلل للغريم عند لقائه وتحمل منته بالتأخير إلي حين أوانه.أ.هـ  
أخي المسلم /لاتغتر بما تسمع بين حين وأخر من إعلانات لبعض البنوك ولبعض الشركات تشجع علي الاقتراض بزعم إن هذه الديون والقروض تجعل حياتك أكثر رفاهية وهذه البنوك إنما تشجع علي الديون لأنها تكسب من ورائها أمولا طائلة حيث إنها تقرض بفوائد مضاعفة بمرور الزمن. والله يقول (ياايها الذين منوا لاتأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون )  وقد لعن رسول الله صلي الله علية وسلم أكل الربا وموكلة وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء)   . ومن صور ذلك بطاقة الائتمان وهي في الواقع بطاقة الخوف والذل  ومقصودها  إن حامل هذه البطاقة  يشتري مايريد حاضرا ويقوم البنك بتسديد قيمة ما اشتراه وهذه ظاهرها الرحمة ولكن المشترك فيها له زمن محدد للسداد للبنك الذي وفي عنه فإذا لم يسدد المشترك المبلغ في الوقت المحدد تضاعف المبلغ علية بزيادة ربوية قال شيخنا ابن عثيمين: هذه المعاملة حرام لأنها معاملة علي التزام الربا  .
 وقالت اللجنة الدائمة للإفتاء برئا سة سماحة الشيخ بن باز: لايجوز إصدارها ولا العمل بها لاشتمالها علي قرض جر نفع وهذا ربا محرم والتعامل بها من التعاون علي الإثم والعدوان.              اللهم…
الثانية؛ أما بعد
فإن مما أوقع كثيرا من الناس في الديون ظاهرة انتشرت في المجتمع انتشارا عظيما حتى أصبح الإنسان يتساهل في شراء الكماليات التي لايحتاجها إلا مجارة لمجمعة ألا وهي ظاهرة التقسيط فأصبحت إعلانات التقسيط في كل صحيفة ومجلة بل في كل شارع وعلي كل محل بل فتحت محلات للبيع بالتقسيط  فأصبح الإنسان ميسرا علية إن يغير أثاث منزلة اويغير سيارة كل عام لان أمامه التقسيط المريح كما يزعمون  بهتانا وزورا 
عباد الله إن مرارة التقسيط تعلم قطعا بعد الخوض في تجربنه فإن المشتري بالتقسيط يري أن الشركة التي قسطت علية تأكله من رأسه إلي أسفل قدميه 
عباد الله / لقد كان رسول الهدي محمد صلي الله عليه وسلم يكثر من الدعاء ويطلب السلامة من ضلع الدين فعن انس في دعاء النبي صلي الله علية وسلم (اللهم إني أعوذ بك من اللهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال )  وكثير هم الذين بلو بضلع الدين فصارت أموالهم لاتناسب ماعليهم من الديون العظيمة  وعن عائشة رضي الله عنها إن من دعاء النبي صلي الله عليه وسلم (اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم أي الدين قال رجل يارسول الله ما أكثر ماتسعيذ من المغرم فقال صلي الله عليه وسلم إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فاخلف ) 
عباد الله  إن من الناس من تكاثرت عليه الديون بسب إسرافه في مأكله ومشربه وضيافاته ونحوها.  وقد نهانا  القران الكريم عن الإسراف فقال تعالي ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذالك قواما)  أخي المسلم لاتكلف نفسك مالا تطيق فليس من العقل ولا من الدين إن تستدين أموالا طائلة من اجل قضاء الإجازة في بلد أخر.
 عباد الله: إن شرائع الإسلام مع عظم مكانتها مقيدة بالاستطاعة والمقدرة  قال تعالي ( ولله علي الناس حج البيت من استطاع إلية سبيلا )  بل الزواج الذي به عفاف المرء قال الله فيه (وليستعفف الذين لايجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله) 
عباد الله: لقد علمت عن رجل وأمثاله في المجتمع  كثير يستدين سيارة يبقي يسدد أقساطها سنوات من أجل قضاء اجازتة خارج البلاد أو داخلها اى سياحة هذه التي عاقبتها هم بالليل وذل بالنهار
 أخي المسلم يامن ابتليت بالديون ليكن همك أولا سداد ماعلق بذمتك من حقوق الناس. فذلك مما يساعد علي تقليل الديون بل القضاء عليها بإذن الله
عباد الله / انه ربما احتاج المسلم إلي المال فلم يجد من يقرضه قرضا حسنا فربما سولت له نفسه الدخول في شيء من هذه المعاملات الممقوتة فحري بالمؤمن الصبر وحري بأصحاب الأموال أن يعينوا إخوانهم
  الله أعطاك فابذل من عطيته              فالمال عارية والعمر رحال
وليعلم أن الواجب على أرباب الأموال انتظار المعسرين. يقول الله تعالي (وان كان ذو عسرة فنظرة إلي ميسرة وان تصدقوا خيرلكم إن كنتم تعلمون ) 
وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:( كان رجل يداين الناس فقال لفتاة إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله إن يتجاوز عنا فلقي الله تعالي فتجاوز عنه)  وفي رواية (قال الله تعالي تجاوزوا عنه وفي رواية نحن أحق بذلك تجاوز عنه) قال تعالي( وليعفوا وليصفحوا إلا تحبون إن يغفر الله لكم والله غفور رحيم )  وفي صحيح الإمام مسلم قال صلي الله علية وسلم(من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه…) وفيه وعن عبد الله بن أبى قتادة أن أبا قتادة طلب غريما له فتوارى عنه ثم وجده فقال إني معسر. فقال آلله قال آلله. قال فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه)     اللهم…
21/11/1431هـ