الخلاصة في الصوم في السفر

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً.

 

أما بعد فإن من المسائل التي يكثر السؤال عنها ويقع فيها الاختلاف بين الناس: مسألة (صيام المسافر) وقد بينت النصوص الشرعية حكم هذه المسألة أوضح بيان. واني أنقل هنا ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المسالة وان كانت من المسائل اليسيرة إلا أن المقصود من بحثها دفع ما يقع من الخلاف بين الناس في الأسفار من عيب الصائم على المفطر وعيب المفطر على الصائم .

 

وسوف اجعل المسألة على نقاط.سائلا الله الإعانة والسداد .

 

 

 

الأولى:أن النصوص جاءت بجواز الأمرين الصوم والإفطار في السفر.ففي البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ فَقَالَ إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ . ولفظ مسلم  أَنَّهَا قَالَتْ سَأَلَ حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍو الأَسْلَمِىُّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الصِّيَامِ في السَّفَرِ فَقَالَ « إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ ». وفي المعجم الكبير للطبراني عن عائشة رضي الله عنها أن حمزة الأسلمي قال : يا رسول الله إن بي قوة في السفر أفأصوم ؟ قال : إن شئت فصم وإن شئت فأفطر . وفي الصحيحين عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى يَدَيْهِ لِيُرِيَهُ النَّاسَ فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ قَدْ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَفْطَرَ فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ) قال ابن بطال: قال ابن المنذر : في هذا الحديث من الفقه تخيير الصائم في الصيام في السفر أو الفطر ، وفيه دليل أن أمره تعالى للمسافر بعدة من أيام أخر ، إنما هو لمن أفطر ، لا أن عليه أن يفطر ويقضى ، وممن روى عنه تخيير المسافر في الصيام ابن عباس ، وذكر أنس وأبو سعيد ذلك عن أصحاب الرسول ، وبه قال سعيد بن المسيب ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، والنخعي، ومجاهد ، والأوزاعي ، والليث .أ.هـ

 

 

 

الثانية:أن النصوص جاءت بالنهي عن أن يعيب صائم على مفطر أو مفطر على صائم في السفر. ففي الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. ولفظ مسلم عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِي – رضي الله عنه – قَالَ غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلاَ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ.وفيه أيضا عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِي- رضي الله عنه – قَالَ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- في رَمَضَانَ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ فَلاَ يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلاَ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ. وفي المسند عن أبي سعيد الخدري أنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم لتسع عشرة أو سبع عشرة من رمضان فصام صائمون وأفطر مفطرون فلم يعب هؤلاء على هؤلاء ولا هؤلاء على هؤلاء )

 

 

 

الثالثة: أن النصوص دلت على تحريم الصيام في السفر عند التضرر بسبب الصيام.ففي الصحيحين عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالُوا صَائِمٌ فَقَالَ لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ .وفي صحيح مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ – رضي الله عنهما – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ في رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ « أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ » وفي رواية عند مسلم أيضا  قِيلَ لَهُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ. فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ).

 

 

 

الرابعة: أن النصوص دلت على كراهية الصيام في السفر عند المشقة. وأن الأفضل الإفطار. ففي الصحيحين واللفظ لمسلم عَنْ أَنَسٍ – رضي الله عنه – قَالَ كُنَّا مَعَ النبي -صلى الله عليه وسلم- في السَّفَرِ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ – قَالَ – فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً في يَوْمٍ حَارٍّ أَكْثَرُنَا ظِلاًّ صَاحِبُ الْكِسَاءِ وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِى الشَّمْسَ بِيَدِهِ – قَالَ – فَسَقَطَ الصُّوَّامُ وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ فَضَرَبُوا الأَبْنِيَةَ وَسَقَوُا الرِّكَابَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ ».وفي رواية عَنْ أَنَسٍ – رضي الله عنه – قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- في سَفَرٍ فَصَامَ بَعْضٌ وَأَفْطَرَ بَعْضٌ فَتَحَزَّمَ الْمُفْطِرُونَ وَعَمِلُوا وَضَعُفَ الصُّوَّامُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ – قَالَ – فَقَالَ في ذَلِكَ « ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ ».وتقدم حديث أبي سعيد في مسلم وفيه (يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ)

 

 

 

الخامسة: أن النصوص دلت على أن الصيام في السفر أفضل لمن لم يتضرر ولم يشق عليه.وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام في السفر ولم يكن ليأخذ إلا بالأفضل ولا يمكن أن يقال بالخصوصية له صلى الله عليه وسلم لأن معه بعض أصحابه وكان صائما ففي الصحيحين واللفظ  لمسلم عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ – رضي الله عنه – قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- في شَهْرِ رَمَضَانَ في حَرٍّ شَدِيدٍ حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلاَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ.

 

ثم إن هذا هو الأسهل على المكلف لأن الصوم مع الناس أسهل ولأنه أسرع في إبراء الذمة ولأنه يصادف شهر رمضان الذي هو وقت الصيام. ويدل على ذلك حديث أبي سعيد المتقدم عند مسلم وفيه ( يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ)

 

 

 

فوائد:  

 

الأولى: السفر هو مفارقة محل الإقامة على وجه يسمى سفرا.والصواب من أقوال أهل العلم أن السفر مرده للعرف فلا يحد بل ما عده الناس سفرا فهو سفر وما لم يعده الناس سفرا فليس بسفر  .وهو اختيار شيخ الإسلام وشيخنا ابن عثيمين رحم الله الجميع[1]

 

الثانية: لا يترخص المسافر برخص السفر إلا إذا خرج من بلده مسافرا.لأنه قبل الخروج لا يعتبر مسافرا ولو كان عازما على السفر على الصحيح من أقوال أهل العلم.

 

الثالثة: القول الراجح أن من أفطر في رمضان لعذر يبيح الفطر، ثم زال ذلك العذر أثناء النهار لم يلزمه الإمساك بقية اليوم.

 

 والله أعلم.       وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .

 

 

                                                   

 

 

 

 

 



[1] مجموع الفتاوى