أيها الناس اتهموا أنفسكم..

أيها الناس اتهموا أنفسكم..
بسم الله الرحمن الرحيم
فإن باب أسماء الدين والأحكام على الأشخاص والجماعات باب خطير لا يجوز للإنسان أن يلجه إلا بسلاح العلم والتقوى والتجرد عن الهوى فكم سمعنا من أسماء وأحكام تطلق جزافا على أشخاص أو جماعات أو تنظيمات وقد تكون هذه الأسماء والأحكام بعيدة عن الصواب حيث تصدّر هذا الأمر الخطير من ليس من أهل العلم والطلب وربما يكون طالب علم لكن لم يتجرد من الهوى أو لم يدرك الواقع. والمتأمل لما يقع في ساحات الجهاد-الشريفة – والثغور وما يقال عن الفصائل الجهادية في أرض الشام يدرك هذا بوضوح فالمجالس ومواقع التواصل(تغريدات تويتر أو محادثات الواتساب) تعج بالحديث عن المجاهدين والجماعات والأشخاص ,ذما ومدحا وتزكية وتخوينا وربما وتكفيرا.وتبعهم على ذلك كثير من الناس بلا روية. قال تعالى: ( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ).قال ابن عاشور في تفسيره: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أي في جماعة المسلمين أي من بين المسلمين {سَمَّاعُونَ لَهُمْ} فيجوز أن يكون هؤلاء السماعون مسلمين يصدقون ما يسمعونه من المنافقين. ويجوز أن يكون السماعون منافقين مبثوثين بين المسلمين.وهذه الجملة اعتراض للتنبيه على أن بغيهم الفتنة أشد خطرا على المسلمين لأن في المسلمين فريقا تنطلي عليهم حيلهم، وهؤلاء هم سذج المسلمين الذين يعجبون من أخبارهم ويتأثرون ولا يبلغون إلى تمييز التمويهات والمكائد عن الصدق والحقّ.وجاء {سَمَّاعُونَ} بصيغة المبالغة للدلالة على أن استماعهم تام وهو الاستماع الذي يقارنه اعتقاد ما يسمع .أ.هـ
وإن الواجب على المسلم الحذر من أن يكون خصمه يوم القيامة عالما أو مجاهدا وقفوا أنفسهم وأموالهم لله.. فالعاقل لا يغامر فيما لايعلم حقيقته فليس هذا الباب مما يجوز فيه الحكم على الأشخاص والجماعات بمجرد الظن وليس مما يسوغ فيه الاجتهاد كما أن وسائل الإعلام ليست من المصادر الموثوقة التي يؤخذ عنها الحكم على الناس.قال تعالى:(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا). ولقد نتج عن هذا تفريق الصف وذهاب الريح والقوة وحل النزاع الذي ربما أفضى إلى استحلال الدماء المعصومة والأموال المحرمة.وليعلم العاقل أنه ليس كل قضية في الساحة يجب أن يكون له فيها رأي وحكم .
و قل لمن يدّعي في العلم فلسفة*** علمت شيئا و غابت عنك أشياء
ولست بهذا الكلام أحجر على أحد أن يعتقد أمرا أو يؤيد جهة دون جهة أو يعرض رأيه فهذا شأن آخر وإنما أدعو إخواني إلى اتهام الرأي وترك الجدال و الوقيعة فيما لم يكن الأمر فيه واضحا جليا.
وإن لنا في رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم أعظم أسوة فقد جاء في صحيح الإمام مسلم (كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاَتَهُ :اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وفي المسند وغيره قال الحسن : علمني رسول الله صلى الله عليه و سلم كلمات أقولهن في الوتر في القنوت اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت..) فكيف يصح لعاقل بعد هذا الرضى عن نفسه وعدم اتهام رأيه؟
توق نفسك لا تأمن غوائلها***فالنفس أخبث من سبعين شيطانا
وفي صحيح البخاري رحمه الله :قالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ :أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا الرَّأْيَ، فَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ لَرَدَدْتُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وتأمل موقف الفاروق الملهم أمير المؤمنين يوم الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم ومنازعته..ثم يقول بعد ذلك : يَا أَيُّهَا النَّاسُ : اتَّهِمُوا الرَّأْيَ عَلَى الدِّينِ ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَرُدُّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْيِي اجْتِهَادًا ، فَوَاللَّهِ مَا آلُو عَنِ الْحَقِّ ، وَذَلِكَ يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ)رواه الطبراني وأصله في البخاري وفيه( ..قال الزهري قال عمر فعملت لذلك أعمالا..) أي ندم على ما كان منه فصار يتصدق ويحسن رجاء أن يغفر الله له اعتراضه على رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن القيم رحمه الله في إغاثة اللهفان: قال أبو حفص : من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ولم يخالفها في جميع الأحوال ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أوقاته كان مغرورا ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها فالنفس داعية إلى المهالك معينة للأعداء طامحة إلى كل قبيح متبعة لكل سوء فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة .أ.هـ
وقال الماوردي في أدب الدنيا والدين: ثُمَّ يَتَّهِمُ نَفْسَهُ فِي صَوَابِ مَا أَحَبَّتْ وَتَحْسِينِ مَا اشْتَهَتْ ؛ لِيَصِحَّ لَهُ الصَّوَابُ وَيَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ .أ.هـ
وقال في موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين:العجب بالرأي الخطأ قال تعالى { أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا } وقال تعالى { وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } وقد أخبر رسول الله صلوات الله عليه أن بذلك هلكت الأمم السالفة إذ افترقت فرقا وكل معجب برأيه { كل حزب بما لديهم فرحون } وعلاجه أن يتهم رأيه أبدا فلا يغتر به إلا أن يشهد له قاطع من كتاب أو سنة أو دليل عقل صحيح جامع لشروط الأدلة … والصواب لمن لم يتفرغ لاستغراق عمره في العلم أن لا يخوض في المذاهب بل يشتغل بالتقوى واجتناب المعاصي وأداء الطاعات والشفقة على المسلمين نسأله تعالى العصمة من الضلال ونعوذ به من الاغترار بخيالات الجهال.أ.هـ
قال في إحياء علوم الدين:وربما يعجب بالرأي الخطأ الذي خطر له فيفرح بكونه من خواطره ولا يفرح بخواطر غيره فيصر عليه ولا يسمع نصح ولا وعظ واعظ بل ينظر إلى غيره بعين الاستجهال ويصر على خطئه … ولو اتهم نفسه ولم يثق برأيه واستضاء بنور القرآن واستعان بعلماء الدين وواظب على مدارسة العلم وتابع سؤال أهل البصيرة لكان ذلك يوصله إلى الحق.أ.هـ
ثم أين هولاء الواقعون في إخوانهم من قوله تعالى:( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) قال ابن سعدي في تفسيره: { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } أي: متحابون متراحمون متعاطفون، كالجسد الواحد، يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، هذه معاملتهم مع الخلق، وأما معاملتهم مع الخالق فإنك { تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا } أي: وصفهم كثرة الصلاة، التي أجل أركانها الركوع والسجود.{ يَبْتَغُونَ } بتلك العبادة { فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا } أي: هذا مقصودهم بلوغ رضا ربهم، والوصول إلى ثوابه.{ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ } أي: قد أثرت العبادة -من كثرتها وحسنها- في وجوههم، حتى استنارت، لما استنارت بالصلاة بواطنهم، استنارت [بالجلال] ظواهرهم..أ.هـ فما أحوجنا اليوم إلى مزيد من الطاعات والقربات.ففي صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: (الْعِبَادَةُ في الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ)
وإني أحذر إخواني من الذنوب والمعاصي أكلا وشربا وقولا وسماعا ومشاهدة..فإن لها أثر في الطمس على القلب وعدم الاهتداء.قال تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
وليعلم أن المقصود هو حماية المسلم من ضياع دينه بسبب التجاسر على الحكم بلا علم ولا هدى فإن ذلك من أعظم الورطات.قال في الروضة الندية شرح الدرر البهية: وقد ورد من الأدلة المشتملة على الترهيب العظيم من تكفير المسلمين والأدلة الدالة على وجوب صيانة عرض المسلم واحترامه ما يدل بفحوى الخطاب على تجنب القدح في دينه بأي قادح فكيف بإخراجه عن الملة الإسلامية إلى الملة الكفرية فإن هذه جناية لا تعد لها جناية وجرأة لا تماثلها جرأة.أ.هـ
اللهم اعصمنا من الزلل والهوى وأرنا الحق حقا وارزقنا حسن الإتباع.اللهم ألف بين قلوب المسلمين وانصر المجاهدين يا كريم.وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم

.
كتبه /د.عبد الرحمن بن صالح بن عثمان المزيني
المشرف العام على موقع رياض الإسلام
‏4 ربيع الأول, ‏1435هـ
almuzaini.a@gmail.com