أداب السفر1

أما بعد عباد الله فلقد أمر الله تبارك وتعالى عباده بالتفكر وإعمال العقل في عظيم صنعه وبديع خلقه لأن ذلك يورث تعظيم الخالق سبحانه فقال تعالى  ( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) بل أنكر سبحانه على من لا يتفكر فقال قبلها (وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ *وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)    


                          تأمل في نبات الأرض وانظر    إلى آثـار مـا صنع المليك


                          عيون مـن لجين شاخصـات … بأحداق هي الذهب السبيك


                          على قصب الزبرجد شاهدات ..   بأن اللـه ليس لـه شريك                       


وقال آخر:       فيا عجبًا كيف يعصى الإله          أم كيف يجحده الجاحد


                  وفي كـل شـيء لـه آية          تـدل عـلى أنه واحد


عباد الله :إن من أسباب التفكر والاعتبار السفر والتنقل بين البلاد والديار. خاصة إذا صاحب ذلك نية صالحة . ولما كان السفر من الأمور المعتادة عند الناس كان لابد من توجيهات  تعين المسافر وتبصره  بإحكام سفره .خاصة أننا على أبواب إجازة يتنقل فيها الناس ويسافرون. فإليكم هذه الوقفات التي أسأل الله أن ينفع بها .


الوقفة الأولى: السفر هو مفارقة محل الإقامة على وجه يسمى سفرا .والصواب من أقوال أهل العلم أن السفر مرده للعرف فلا يحد بل ما عده الناس سفرا فهو سفر وما لم يعده الناس سفرا فليس بسفر  .


الوقفة الثانية : لا يترخص المسافر برخص السفر إلا إذا خرج من بلده مسافرا.لأنه قبل الخروج لا يعتبر مسافرا ولو كان عازما . حتى يفارق عامر بلده.


الوقفة الثالثة : في بلادنا بلاد الحرمين غنية عن السفر إلى غيرها  فان السفر إلى بلاد الكفار والفساد – ولو كانت عربية أو إسلامية – محرم إلا إذا كان هناك ضرورة أو حاجة ملحة  وبشروط منها:


 أن يكون عند المسافر علم يدفع به الشبهات.و دين يدفع به الشهوات.


قال ابن باز رحمه الله في مجموع الفتاوى: [ وقد كتبنا وحذرنا غير مرة من السفر إلى الخارج وبينا أخطار ذلك . وقال رحمه الله: ( فلا يجوز السفر للخارج إلا بشروط مهمة؛ لأن السفر للخارج يعرضه للكفر بالله، ويعرضه للمعاصي من شرب الخمر وتعاطي الزنا وغير هذا من الشرور. ولهذا نص العلماء على تحريم السفر إلى بلاد الكفار عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين))، فالإقامة بينهم خطيرة جداً سواء كانت للسياحة أو للدراسة أو للتجارة أو غير ذلك….أ.هـ. ومن البلايا سفر الشباب لبلاد الكفر بزعم تعلم اللغة  وقد وزعت بعض المؤسسات نشرات تدعوا الشباب إلى السفر لتعلم اللغة في بلاد الكفر.وقد قال الإمام ابن باز رحمه الله: فإني أحذر إخواني المسلمين في هذا البلد خاصة وفي جميع بلاد المسلمين عامة من الانخداع بمثل هذه النشرات والتأثر بها وأدعوهم إلى أخذ الحيطة والحذر وعدم الاستجابة لشيء منها ، فإنها سُم زعاف ومخططات من أعداء الإسلام تفضي إلى إخراج المسلمين من دينهم وتشكيكهم في عقيدتهم وبث الفتن بينهم كما ذكر الله عنهم في محكم التنزيل ، قال تعالى { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ }  كما أنصح أولياء أمور الطلبة خاصة بالمحافظة على أبنائهم وعدم الاستجابة لطلبهم السفر إلى الخارج لما في ذلك من الأضرار والمفاسد على دينهم وأخلاقهم وبلادهم.أ.هـ


الوقفة الرابعة : مما نهى عنه النبي  r السفر منفردا فقد جاء في الصحيح قوله  r« لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ »وصح انه قال  r « الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلاَثَةُ رَكْبٌ ».


الوقفة الخامسة : مما جاء ت به السنة التوديع عند السفر فقد صح أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا ودع أحدا قال : أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك . ( ويجيب المسافر: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه )


الوقفة السادسة : مما جاء الأمر به للمسافرين أن يكون لهم أمير في سفرهم فقد صح  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) قال نافع: فقلنا لأبي سلمة فأنت أميرنا.


الوقفة السابعة : احرص أن يكون زادك وراحلتك من مال حلال.ففي الصحيح أن رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم  قَالَ: ( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إني بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وَقَالَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ». ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِىَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ )


الوقفة الثامنة : مما يجب أن يعلم انه لايحل للمرأة أن تسافر إلا مع محرم لها وهو: زوجها أو أبوها أومن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح. قَالَ صلى الله عليه وسلم – « لاَ تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذي مَحْرَمٍ، وَلاَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلاَّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ ». فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إني أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ في جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وامرأتي تُرِيدُ الْحَجَّ. فَقَالَ « اخْرُجْ مَعَهَا »


الوقفة التاسعة : ثبت في الصحيحين أنه جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي – صلى الله عليه وسلم – فَاسْتَأْذَنَهُ في الْجِهَادِ فَقَالَ « أحي وَالِدَاكَ ». قَالَ نَعَمْ. قَالَ « فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ » وعن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ سَأَلْتُ النبي – صلى الله عليه وسلم – أي الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ « الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا ». قَالَ ثُمَّ أي قَالَ « ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ». قَالَ ثُمَّ أي قَالَ « الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ ». قَالَ حدثني بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِى )فعلى الأبناء مراعاة رضى الوالدين عند السفر .


الوقفة العاشرة : يستحب لمن خرج مسافرا أن يقول دعاء السفر.ففي الصحيح  أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلاَثًا ثُمَّ قَالَ « سُبْحَانَ الذي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ في سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ في الأَهْلِ اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ في الْمَالِ وَالأَهْلِ ». وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ. وَزَادَ فِيهِنَّ « آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ ».ويستحب له أن يكبر الله إذا علا مرتفعا ويسبح الله إذا نزل منحدرا.


الوقفة الحادية عشر : بعض الناس – هداهم الله – إذا سافر وبعد عن بلده نسي الغيرة على أهله ومحارمه وان من تعاليم الإسلام ومفاخر العرب الغيرة على الأعراض لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشد الناس غيرةً على أعراضهم. فقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه: { إن دخل أحدكم على أهله ووجد ما يريبه أشهد أربعاً }، فقام سعد بن معاذ متأثراً فقال: يا رسول الله: أأدخل على أهلي فأجد ما يريبني أنتظر حتى أشهد أربعاً ؟ لا والذي بعثك بالحق !! إن رأيت ما يريبني من ، أهلي لأطيحن بالرأس عن الجسد ولأضربن بالسيف غير مصفح وليفعل الله بي بعد ذلك ما يشاء، فقال: { أتعجبون من غيرة سعد ؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن}.الحديث، وأصله في الصحيحين.فحري بالمسلم أن يحفظ أهله في الأسواق والمتنزهات وغيرها.في سفرهم وإقامتهم .


أَصُونُ عِرْضِي بمالِي لا أُدَنِّسُهُ …… لا بارَكَ اللهُ بَعْدَ العِرْضِ في المالِ.


اللهم….


 






الثانية/ أما بعد  فالوقفة الثانية عشر من الوقفات مع المسافرين: أن من البلايا والمحن أن بعض الناس استمرئ الديون وألفها وصار سهلا عليه أن يريق ماء وجهه وسهل أن يثقل كاهله بالديون فالواجب الحذر من الديون فإنها هم بالليل وذل بالنهار فليس من العقل ولا من الدين أن يستدين الإنسان مبالغ كثيرة من اجل السياحة والنزهة.فان الواجبات الشرعية لم يأمر الله تعالى بالاستدانة لأجلها قال تعالى (..وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا..  ) بل الزواج الذي به عفاف المرء قال الله فيه (..وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ..) فإن من السفه في العقل والظلال في الدين أن يتحمل المرء الديون من أجل السفر والسياحة. وتكون العاقبة ذل في الدنيا وحساب في الآخرة. و في الصحيح قوله r (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ)


الوقفة الثالثة عشر : احذر ارتياد الأماكن المحرمة, فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) قال ابن تيمية ((ليس للإنسان أن يحضر الأماكن التي يشهد فيها المنكرات ولا يمكنه الإنكار إلا لموجب شرعي..فأما حضوره لمجرد الفرجة وإحضار امرأته تشاهد ذلك فهذا مما يقدح في عدالته ومروءته إذا أصر عليه  .أ.هـ


الوقفة الرابعة عشر : الأصل في الأطعمة الحل ومما يستثنى:ما ذبح لغير الله أوذبح على غير الطريقة الشرعية أو كان الذابح من غير المسلمين وأهل الكتاب.


الوقفة الخامسة عشر : احذروا تصوير كل ماله روح  فالتصوير كبيرة من كبائر الذنوب فقد جاء عن الرسول r  في شأن المصورين أنهم أشد الناس عذاباً يوم القيامة,وأن كل مصور في النار,وأن يجعل له بكل صورة صورها نفسا يعذب بها,وأنه يكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ,بل جاء في الحديث القدسي:(ومن أظلم ممن ذهب  يخلق كخلقي),كل هذه الألفاظ جاءت في الصحيحين,وجاء في صحيح الإمام مسلم أن علياً رضي الله عنه قال:(ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله ألا تدع صورة إلا طمستها)


الوقفة السادسة عشر : احذروا الإسراف. قال تعالى ﴿ وكُلواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ وقال البخاري في صحيحه باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ التي أَخرجَ لِعِبَادِهِ ). وَقَالَ النبي – صلى الله عليه وسلم – « كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، في غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ مَخِيلَةٍ ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كُلْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ ، مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ ) ا.هـ ومما يقترح في هذا الشأن وضع ميزانية للرحلة فان ذلك ابعد عن الإسراف واحفظ للمال …اللهم…