أحكام السفر

عباد الله تكلمنا في الجمعتين الماضيتين عن بعض الأحكام والآداب التي يحتاجها المسافر وان من أهم ما يجب على المسافر أن يعلمه أحكام عبادته في السفر من طهارة وصلاة وصيام. لأن الخلل في هذا كثير من الناس.والله يقول (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ)


عباد الله وهذه جملة من الأحكام أسأل الله أن ينفع بها


فأما طهارة المسافر: الأصل أن المسافر كغيره في الطهارة من الأحداث والأنجاس ومما ينبه إليه أمور منها:-


-أن من لم يجد الماء أو عجز عن استعماله وخشي خروج وقت الصلاة فله أن يتيمم.


– وسئل شيخنا ابن عثيمين رحمه الله: عمن يكون في الطائرة ولا يقدر على الماء فقال: إذا كان يمكن أن يتيمم على فراش الطائرة تيمم, وإذا لم يمكن بأن كان خالياً من الغبار فإنه يصلي ولو على غير طهر.أ.هـ


وأن المسح على الخفين ونحوهما يمتد في حق المسافر ثلاثة أيام بلياليهن أي ثنتان وسبعون ساعة من أول مسح.


ولا بأس بالاستجمار بالأحجار والمناديل ونحوها بدلا عن الماء في تطهير السبيلين من البول أو الغائط للمسافر وغيره.


وأما صلاة المسافر :فالمغتربون عن بلادهم لهم ثلاث حالات: الأولى:أن ينووا الإقامة المطلقة في بلاد الغربة  فهؤلاء في حكم المستوطنين  الثانية: أن ينووا إقامة لغرض معين غير مقيدة بزمن فمتى انتهى غرضهم عادوا فهؤلاء في حكم المسافرين وإن طالت مدة انتظارهم الثالثة:أن ينووا إقامة لغرض معين مقيدة بزمن ومتى انتهى غرضهم عادوا إلى أوطانهم…فحكم السفر لا ينقطع في هذه  الحالة على الراجح من أقوال أهل العلم.وهو اختيار شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله.


و صلاة المسافر ركعتان من حين أن يخرج من بلده إلى أن يرجع إليه, …لكن إذا صلى مع إمام يتم صلى أربعاً سواء أدرك الصلاة من أولها, أم فاته شيء منها.


و قصر الصلاة متعلق بالسفر فما دام الإنسان مسافراً فإنه يشرع له قصر الصلاة.


و لا يشترط لفعل القصر والجمع – حيث أبيح فعلهما – أن يغيب الإنسان عن البلد, بل متى خرج من سور البلد جاز له ذلك, وإن كان يشاهدها, وكذلك الحال فيمن قدم إليها له أن يفعل رخص السفر حتى يدخل في سورها.


و لا تسقط صلاة الجماعة عن المسافر؛ لأن الله تعالى أمر بها في حال القتال وعلى هذا يجب عليه أن يحضر الجماعة في المسجد إذا سمع النداء إلا أن يكون بعيداً أو يخاف فوت رفقته . فإنه تصلي ركعتين .


والمسافر يصلي جميع النوافل سوى راتبه الظهر, والمغرب, وراتبه العشاء .


و أما الجمع:فإن كان سائراً فالأفضل له أن يجمع بين الظهر والعصر, وبين المغرب والعشاء, إما جمع تقديم, وإما جمع تأخير حسب الأيسر له, وإن كان نازلاً فالأفضل أن لا يجمع, وإن جمع فلا بأس لصحة الأمرين عن رسول الله صلي الله عليه وسلم.


 و من يخرج يوماً ويرجع في يومه, أو في أول الليل ويرجع في آخره فلا يترخص.


و كلما حصل للإنسان حرج في ترك الجمع جاز له الجمع, وإذا لم يكن عليه حرج فلا يجمع, لكن السفر مظنة الحرج بترك الجمع.


و  يجوز للمسافر أن يكون إماماً للمقيمين, وإذا سلم يقوم المقيمون فيتمون.


و إذا دخل المسافر في الركعة الأولى من صلاة العشاء وهو يصلي بنية المغرب فإن الإمام إذا قام إلى الرابعة يجلس هو يتشهد ويسلم, ثم يدخل مع الإمام في بقية صلاة العشاء حتى يدرك الجماعتين في الصلاتين.


وإذا دخل رجل مسافر قد صلى المغرب, فوجدهم يصلون المغرب يدخل معهم بنية صلاة العشاء , فإذا قام الإمام للثالثة أكمل الداخل التشهد وسلم من ركعتين, وهذا هو الصحيح. وله أن يقوم معه في الثالثة ويتم العشاء أربعاً.كما قرر ذلك شيخنا ابن عثيمين رحمه الله.


و لا تجمع العصر إلى الجمعة لعدم ورود ذلك في السنة.


و المسافر ليس عليه جمعة, بل ولا تصح منه الجمعة لو صلاها في السفر؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم كان لا يقيم الجمعة في السفر, فمن أقامها في السفر فقد خالف هدي النبي صلي الله عليه وسلم,  أما إذا مر المسافر ببلد يوم الجمعة وأقام فيه حتى حان وقت صلاة الجمعة وسمع النداء الثاني الذي يكون إذا حضر الخطيب فعليه أن يصلي الجمعة .


و لا وجه لجمع من أراد السفر قبل أن يغادر البلد, اللهم إلا أن يخشى من مشقة إذا نزل للصلاة أثناء سفره.


ومن دخل عليه وقت الصلاة وهو في الطائرة ويعلم أنه لن يصل إلا بعد الوقت فانه يصلى على حاله ويأتي بما يستطيع من الواجبات ولا يجوز له أن يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها .


ومما ينبه له المسافر وغيره وجوب العناية بالقبلة.والاحتياط لها بما يدل عليها سوا ء بالأجهزة الحديثة أو سؤال أهل المعرفة .


وإذا صلى الفريضة في الطائرة ونحوها فليستقبل القبلة إذا تغير اتجاه الطائرة  فليستدير المصلي في أثناء صلاته إلى الاتجاه الصحيح… ولو أدى ذلك إلى الاستدارة عدة مرات, هذا في صلاة الفريضة, أما النافلة في السفر على راحلته أينما توجهت .


و العبرة بفعل الصلاة, فإن فعلتها في الحضر فأتم, وإن فعلتها في السفر فاقصر.


و إذا وصلت إلى مطار بلدك فصل أربعاً, إذا كان المطار متصلاً بالبلد, وإذا كان خارج البلد فصل ركعتين. 


ولابأس بالصلاة في الحدائق والأماكن العامة والأسواق إذا لم تعلم نجاستها لقوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (…وَجُعِلَتْ لي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أمتي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ..)اللهم..


 


 


الثانية/أما بعد عباد الله فإن مما يحتاجه المسافر في سفره. العلم بأحكام صيامه. فقد قال الله تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)


والأصل أن المسافر وغيره سواء,فقد صح أن النبي r  سافر وكان صائما ومعه أصحابه رضي الله عنهم وكان منهم الصائم ومنهم المفطر ولم يعب احد على احد.أما إذا وجد ضرر من الصيام فيحرم لإنكار النبي r  على من شق على نفسه حتى سقط على الأرض.وإذا لم يكن مشقة من الصوم فالأفضل الصوم لأنه أسرع في إبراء الذمة .


 والصواب أن لكل أهل بلد رؤيتهم فربما هل في بلد دون غيره فلا صيام إلا برؤية هلال رمضان أو إكمال شعبان ثلاثين.


 ومن انتقل  إلى بلد  وتأخر إفطار البلد الذي انتقل إليه فإنه يبقى معهم حتى يفطروا، لأن الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، وأما العكس: وهو أن ينتقل من بلد تأخر فيه ثبوت الشهر إلى بلد تقدم ثبوت الشهر فيه فإنه يفطر معهم، ويقضي ما فاته  .


 وقال شيخنا ابن عثيمين: فيمن اقبل عليه رمضان في غير بلاد الإسلام :إن كان هناك رابطة دينية تقوم بشؤون المسلمين فلتتبع هذه الرابطة، وعلى الرابطة أن تجتهد فيما يثبت به دخول الشهر وخروجه، وإن لم يكن هناك رابطة فالإنسان ينظر إلى أقرب البلاد الإسلامية إليه فيتبعها، وإن اتبع المملكة فلا حرج عليه.


وقالت اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز رحمهم الله:  إذا كان الصائم في الطائرة واطلع بواسطة الساعة والتليفون عن إفطار البلد القريبة منه وهو يرى الشمس بسبب ارتفاع الطائرة فليس له أن يفطر؛ لأن الله تعالى قال: { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ }   وهذه الغاية لم تتحقق في حقه ما دام يرى الشمس. وأما إذا أفطر بالبلد بعد انتهاء النهار في حقه فأقلعت الطائرة ثم رأى الشمس فإنه يستمر مفطرًا؛ لأن حكمه حكم البلد التي أقلع منها وقد انتهى النهار وهو فيها.


وقال:شيخنا ابن عثيمين: زكاة الفطر تتبع الإنسان، فإذا جاء وقت الفطر وأنت في بلد فأد زكاة الفطر وأنت في ذلك البلد.وقال: إذا سافر الرجل في رمضان ووكل أهله في إخراج فطرته فلا بأس بذلك.


اللهم…